العالم

شح النقد…أزمة مفتعلة للتضييق على تجار غزة

لم يُكمل الفلسطيني سائد الشرفا تبضعه من أحد محلات بيع المستلزمات الغذائية في مدينة غزة، إذ وجد نفسه مضطراً لإعادة ما كان ينوي شراءه بعدما لم تتوافر العملات المعدنية الصغيرة (الفكة) لدى البائع الذي اشترط عليه تأمينها كي تسهل مهمة صرف نقود الزبون، ضمن أزمة موسمية تعانيها الأسواق من شح العملات المساعدة.
وعلى الرغم من أن الزبون الفلسطيني كان حذراً في تبضعه من المحل التجاري وحريصاً على صرف نقوده حسبما تقتضي حاجته، بسبب تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية في غزة، إلا أن عملية البيع والشراء فشلت، وانصرف الشرفا باحثاً عن محال أخرى لعله يجد فيها ضالته… “الفكة”.

ويدخل قطاع غزة في أزمة موسمية لا تتوافر خلالها صرافة للعملات المساعدة، والتي تراوح قيمتها بين شيكل واحد إسرائيلي وفئة 100 شيكل (الدولار يعادل 3.55 شواكل)، وأكثر ما تحصل خلال شهر رمضان المبارك وعيد الفطر السعيد، الأمر الذي يسبب إرباكاً في حركة البيع والشراء وتبادل العملات في الأسواق الفلسطينية.
وتعود أسباب ظهور الأزمة، وفق متعاملين، إلى عاملين رئيسيين: الأول متعلق بإعاقة الاحتلال الإسرائيلي إدخال العملات المالية المساعدة إلى غزة ضمن سياسة الحصار المستمر للعام الثاني عشر على التوالي. والثاني مرتبط باحتكار التجار للعملات المعدنية لتسهيل معاملاتهم في أوقات الأزمة.

وتنضم هذه الأزمة إلى سلسلة من الأزمات التي تعصف بالأوضاع المعيشية والاقتصادية لسكان قطاع غزة. إذ في الوقت الذي تعاني الأسواق الفلسطينية من شح السيولة النقدية، تأتي أزمة “الفكة” لتعمق مشكلات غزة، وتحدث مزيداً من الركود في الأسواق مع نهاية أيام شهر رمضان وصولاً إلى عيد الفطر القادم.
ويؤكد بائع المستلزمات الغذائية، نعيم عبدو، لـ”العربي الجديد”، أن أزمة “الفكة” تتسبب في فشل الكثير من عمليات البيع والشراء، وهي أزمة تتعلق بالبائع والزبون على حد سواء. فالجانبان قد لا تتوفر لديهما قطع معدنية صغيرة تسهل مهمة صرف العملات الورقية من الفئات الكبيرة.

ويرى عبدو أن ظاهرة تخزين “الفكة” عند الجانبين تتسبب في إعاقة الحركة التجارية التي تعاني من ركود واضح بسبب الأزمات الأخيرة التي عصفت بالقطاع، مضيفاً أن “البائعين والسائقين هم الأكثر تضررا من شح الفكة بسبب تعاملهم المباشر واليومي مع المواطنين”.
السائق محمود البنا يذهب إلى الاشتراط على المارّين لتوفير عملات معدنية صغيرة (فكة) لديهم قبل أن يركبوا في سيارته ويوصلهم إلى مقصدهم داخل مدينة غزة. فبعدما عانى الفلسطيني كثيراً في مرات سابقة، اضطر إلى التوقف عند محال تجارية ومحطات تعبئة البنزين بحثاً عن “فكة” للعملات النقدية.
ويقول البنا لـ”العربي الجديد”: “إن هذه الأزمة سنوية، وتسبب لنا صعوبة في إيجاد صرافة للعملات النقدية التي بحوزة الراكبين، وتشتد هذه الأزمة في الأيام الأخيرة من رمضان وقد لا تنتهي إلا مع نهاية عيد الفطر. البائعون والزبائن كلهم يعملون على تخزين الفكة لتسهيل أمورهم على حساب خلق أزمة في السوق”. وأصبح الشيكل الإسرائيلي العملة الأساسية في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد احتلال إسرائيل لهما منتصف عام 1967، ومع توقيع منظمة التحرير الفلسطينية على اتفاق السلام مع إسرائيل عام 1993 تم وضع ترتيبات جديدة في المجال النقدي والمالي من خلال برتوكول باريس الموقع في إبريل/ نيسان 1994، والذي يتيح تبادل العملات الورقية والمعدنية بحرية بين المدن والمصارف الفلسطينية ونظيرتها الإسرائيلية.

أستاذ علم الاقتصاد في جامعة الأزهر في غزة، معين رجب، يؤكد أن أزمة “الفكة” مفتعلة لوجود كميات كبيرة من الوحدات النقدية المعدنية والمتراكمة عبر السنين، لكن سلوكيات البائعين والمتعاملين هي التي تخلق المشكلة، في وقت أن “الفكة” حاجة ملحة لجميع الأفراد الفلسطينيين في مواجهة المتطلبات اليومية.
ويشير رجب في حديثه لـ”العربي الجديد”، إلى أن “الفكة” تلعب دوراً مهماً في الدورة الإنتاجية في غزة كونها تيسر المعاملات التجارية، مضيفاً أنه “من المعلوم أن سلطة النقد الفلسطينية تحرص عاماً تلو الآخر على إقناع البنوك الإسرائيلية بضرورة ضخ كميات من العملات المعدنية إلى القطاع والتي تُقابل ذلك بسياسة التلكؤ”.

وينتهي إلى القول إن “كميات من الفكة متاحة في الأسواق الغزّية، لكن سلوكيات الأفراد في اقتنائها تفاقم المشكلة، إلى جانب سياسة الاحتلال التي تتحكم بحركة هذه العملات.

العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *