من سرق أدوات الوعي السعودي؟

قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل/ بسقط اللوى بين الدخول فحومل.
لن نبكي على أطلال جبال نجد العريقة، بل على فشل أحفادها في تقفي أثر عيون الشعر العربي الأصيل، إذ لم نكن نتوقع أن تعود الجاهلية الأولى أدراجها على يد عرب الجزيرة الخلّص المتعلمين. وفي الجاهلية أفضل موروث “ديوان العرب”، كتبت معلقاته بماء الذهب، وعلقت على جدران الكعبة لما حوته من أدب رفيع، وذائقة كانت جديرة بأن يُقتفى أثرها.
قفا نبكِ…
ليس لأن استغلال الشعر والغناء في الهجاء، باعتباره أحد أدوات الحرب النفسية لحكومة المملكة ضد قطر، غير متوقع في ظل الأزمة الخليجية، فقد انحدر الإعلام السعودي، منذ بدايات الأزمة، ليصبح قرين الكذب على المستوى الرسمي، حتى في وكالة أنبائه ووزارة خارجيته للأسف. ولكن، لأن الإسفاف في وحل السقوط أمر خلنا المملكة تترفع عنه، حتى سجل سقوطا من نوع آخر: سقوطا في الأداة والتوقيت، خصوصا بعد أن استغل موسم الحج لاستعراض فسوق في شعر هجاءٍ نابٍ في أدواته الشعبية، في ظل حضور ملكي بمباركة رسمية، سجلت سياسة المملكة فيها انحدارا سياسيا ودبلوماسيا غير مسبوق في حرمة البيت العتيق. وما تبعه، في أيام التشريق، من زج مستشاري الحكومة السعودية قصائد مأجورة، كتبت لبروباغندا بتسييس غنائي تحريضي رخيص، لشخصيات غنائية فقدت احترامها الشعبي بفقدان الرسالة العليا للفن، والتضحية به بدراهم معدودة، على الرغم من قدسية المكان والزمان، وإقحام الغناء في موسم الدعاء بنبذ الرفث والفسوق والجدال.
“لن تفلح الجاهلية الأولى نموذجا للحكم، لأن قيادة الدول المتحضرة اليوم ليست مثل قيادة بيوت الشًّعَر في الصحراء، أو أبياتٍ من شعرِ الهجاء، فالدول تقوم على دساتير وقوانين، لا مرابع ومراعٍ وصعاليك ومعازف”
قفا نبكِ…
سقوط المثل والرموز التي احتفت واحتفى معها المسلمون بعظمة موسم الحج، وتقدير خدمة بيت الله، ولقب خادم الحرمين الشريفين الذي حفظ له البيت دوما محبته وهيبته.
وأي ديوان لعرب الجزيرة اليوم! فلم يفلح من قام على خدمة البيت العتيق أن يحفظ حتى للبيت هيبته وحرمته في أيام التشريق، وفي أفضل بقاعه الطاهرة، بل عاد بالزمن إلى الوراء قبل عصر الآلة والتقنية، عندما كان يعوّل على الهجاء شعرا أنه أول سلاح… وليس آخر ملجأ. إنه إعلان رسمي للإفلاس الإعلامي في رمقه الأخير باجتزاء أدوات العصر القديم لإسقاطها في عصر الذرة والثورة التكنولوجية، علّ الهجاء والقدح السياسي الذي بثّ بمناسبة الحج يجيشّ الشعب السعودي والخليجي ضد قطر، عندما عجزت، بل فشلت، كل أدوات دول الحصار الإعلامية وبروباغندا التضليل والكذب، وقبلها الأفعال الصبيانية التي خالفت المنطق والقانون الدولي، عجزت في أن تشيطن قطر دوليا.
ولكن المتابع للحضور الملكي لهجاء قطر وأميرها شعرا وقت الحج الأكبر يجد أنه لم يأتِ فقط ليلهب روح الجاهلية الأولى، لتأليب الشعب السعودي بتغذية خطاب الكراهية ضد قطر، ويميّع قضية الحجّ المسيّس، بحضور الوسيط المزعوم، بقدر ما يستخدمه الديوان الملكي السعودي أداة لأمر آخر جلل، يهدف فيه إلى إلهاء الشعب السعودي، وتغييب العقلية السعودية والوعي الشعبي عن التغييرات الكبرى التي تقوم بها الحكومة السعودية الحالية، فيما يتعلق بشؤون انتقال الحكم ووراثة العرش في المملكة، حيث لا ارضية دستورية تسنده، والتي يبدو من كثافة الحملات على “تويتر” عدم رضى الشعب السعودي عما يجري فيها.
أدوات القوة الناعمة هي ذاتها أدوات تغييب الشعب السعودي بافتعال أزمات خارجية، وتغذيتها بتفاصيل طفولية يوما بعد يوم، بشكل أو بآخر، عرجت في حملاتها الإعلامية، أخيرا، على قوة مفعول القصيدة والأغنية في المجتمعات ذات الخصائص الاتصالية الشفوية، كمجتمعاتنا الخليجية… حتى تغذّي روافدها الجديدة بتحميل مستمر على “يوتيوب” وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، وتعزّز رسالتها بهاشتاغات “تويتر” العدائية، تلك التي جعلتها الحكومة السعودية بمعرّفاتها “اللجان الإلكترونية” أول أسلحتها الكاذبة في الحرب على قطر، عندما أحكمت عليها قبضتها، وتلاعبت في ترويج وسومها، لجعلها في أعلى قائمة التصدّر “الترند”.
هذا بعد أن سرقت معرّفات حكومة المملكة قاعدة النفوذ الناعم لوسائل التواصل الاجتماعي من يد شعبها، وبطريقة أنعم استخباراتيا، بعد أن فطنت أن هاشتاغ تويتر “الترند” هو أهم أدوات الشعب السعودي الداخلية، وصوته في رفع متطلباته الإصلاحية للحكومة ومواجهتها، فأحكمت عليه قبضتها، فاستخدمته ضد شعبها تيارا مضادّا لتوجيه الرأي العام، تدلل على ذلك أحدث دراسة دولية في 2017، لسمانثا برادشاو وفيليب هاورد من جامعة أكسفورد، عن الجيوش الإكترونية واستخداماتها في “البروباغندا” والحملات الداخلية أيضا، وتصدرها في عدد من الدول، ومنها السعودية عربيا.
ولمتتبعي الأزمة الخليجية منذ بداياتها، أسوق أمثلة حيّة لأعلى وسم عالمي خلال فترات سياسية صاخبة من الشهور الماضية (أكرر عالمي وليس محليا)، إذ كان كالعادة سعوديا، فما هي الوسوم؟ لم تكن القمة الإسلامية الأميركية في مايو/ أيار 2017 في الرياض هي الترند وما تبعها من تغطيات، بل هاشتاغ #بنت_ترامب. ولم تكن قضية الأزمة السياسية الخليجية الترند
“أدوات القوة الناعمة هي ذاتها أدوات تغييب الشعب السعودي بافتعال أزمات خارجية، وتغذيتها بتفاصيل طفولية يوما بعد يوم” في شهر رمضان في يونيو/ أيار الماضي، بل هاشتاغ #حيوانات_منوية_في_سماء_جدة. ثم لم تكن قوة حملة نجل الملك فهد ومناصريه بهاشتاغ #إلا_الإساءة_لمحمد_بن_نايف بعيد تداعيات عزل ولي العهد السابق، محمد بن نايف، هي الترند، بل هاشتاغ #رجع_يفعل_الفاحشة_بالمكنسة.
عودوا إلى أرشيف “تويتر” تجدونها.. تٌرى، من ذا الذي يُغيّب السعوديين في حراك على هاشتاغات “الجنس” في ذروة الحراك السياسي؟ علق سعوديون على هذه الوسوم رفضا، وهم مذهولون من أن يخرج رجل عاقل من بين الشعب السعودي المثقف المتعلم، ليصل بهذه الوسوم إلى قائمة الترند التي قد نصدقها ربما في #بنت_ترامب، لكننا نعجز، كما عجز السعوديون العقلاء، عن فهم من أشاع لاحقاتها الوضيعة بينهم إلى قائمة الترند العالمي، في ظل أصعب أزمة سياسية عرفها تاريخ الخليج، هذا والشعب السعودي ليس شعبا جاهلا.
قفا نبكِ.. لن تفلح الجاهلية الأولى نموذجا للحكم، لأن قيادة الدول المتحضرة اليوم ليست مثل قيادة بيوت الشًّعَر في الصحراء، أو أبياتٍ من شعرِ الهجاء، فالدول تقوم على دساتير وقوانين، لا مرابع ومراعٍ وصعاليك ومعازف.

“العربي الجديد” الالكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *