تركيا عاجل

“نبع السلام”.. “وقاية” من خطر داهم و”علاج” لجرح نازف (مقال)

يبدو جليا أن عملية “نبع السلام” التي أطلقتها تركيا في التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري شرق الفرات، قد أحبطت مشروعا لتقسيم المنطقة، وأجهضت مؤامرة غربية خطيرة تتمثل بإنشاء كيان إرهابي وظيفي يستكمل الفوضى الخلاقة الرامية إلى تدشين مشروع “الشرق الأوسط الجديد”.

ويتمثل الهدف الثاني من العملية بإنهاء أزمة اللاجئين السوريين الآخذة في التفاقم، ووضع حد للممارسات الدموية التي تنفذها تنظيمات “ي ب د/ بي كا كا”، في المناطق التي تسيطر عليها شمالي سوريا.

وخير دليل على ذلك، عملية التسليح المحمومة المتسارعة التي نفذتها الإدارتان الأمريكيتان الأخيرتان لمصلحة ما يسمى “وحدات الحماية الشعبية الكردية”، ورفض واشنطن لجميع المطالبات التركية بوقف هذه المغامرة الخطيرة.

كما مارست واشنطن ـ طوال سنوات ـ تسويفا سافرا وضغوطا كبيرة على أنقرة، بهدف حشرها في الزاوية وصولا إلى تدجينها، وذلك عبر إلهائها في مشاكل داخلية وابتزازها في قضايا مختلفة.

وتجلت تلك الممارسات في محاولة تدبير انقلاب عسكري يقضي على الدولة التركية التي استطاعت الاستقلال بقرارها، أو بزعزعة اقتصادها، وأخيرا افتعال أزمة جديدة عبر فرض إملاءات عليها في اختياراتها لتسليح جيشها، وابتزازها بمنع تسلمها مقاتلات “35 F” إذا ما حصلت على منظومة صواريخ “400 S” روسية الصنع.

وأبدت أنقرة قدرا هائلا من الصبر والجلد لتتجنب خوض تلك المعركة الاضطرارية في سوريا، فاستنفدت جميع السبل الدبلوماسية لدرء مخاطر المؤامرة التي تحاك ضد أمنها القومي والجغرافيا العربية على السواء، لكن دون طائل.

فقد بلغت المماطلة الأمريكية مبلغها، فضلا عن تساوق المنظومة الإقليمية مع إملاءات البيت الأبيض، في سبيل نزع الشرعية عن أي خطوة قد تقدم عليها تركيا، للانفكاك من محاولات تدجينها وإخضاعها ضمن المنظومة التي تدور في فلك القطب الأمريكي.

** الدبلوماسية والعمل الإنساني

منذ اندلاع الثورة السورية منتصف مارس/ آذار 2011، تعاطت تركيا على أساس ركيزتين مبدئيتين متتاليتين، الأولى دبلوماسية عبر التواصل مع النظام السوري منذ انطلاق شرارة الثورة الشعبية السلمية، وإسداء النصح إلى دمشق في محاولة صادقة لاحتواء الأزمة قبل تفاقمها.

والركيزة الثانية، جاءت استدراكا لفشل المساعي الدبلوماسية، بتبني مبدأ التضامن الإنساني مع الجارة المنكوبة، ففتحت تركيا حدودها وأبوابها مشرعة أمام اللاجئين السوريين، واستقبلتهم في جميع مدنها، واحتذت بحادثة “الأنصار والمهاجرين” التاريخية نموذجا يقتدى.

ولم تتوقف المساعي التركية عند ذلك الحد وحسب، وإنما أجرى وزراء خارجيتها زيارات مكوكية بين عواصم العالم، وشاركوا في مئات المؤتمرات والاجتماعات، وانضمت تركيا إلى العديد من الائتلافات الدولية التي تشكلت لمساعدة الشعب السوري.

كما تحركت عبر كيان المجلس الثلاثي للدول الضامنة لمباحثات أستانة، بمشاركة كل من روسيا وإيران، كونها دولا لها تأثير على رأس النظام في دمشق.

فيما أخذت أزمة اللاجئين تتفاقم وتشكل عبئا كبيرا على تركيا التي تستضيف وحدها قرابة أربعة ملايين سوري، في حين استنكفت بعض الدول العربية عن استقبال أشقائهم وأبناء جلدتهم سوى أرقام متواضعة.

ومن جهتها تنكرت أوروبا لوعودها التي قطعها على نفسها أمام تركيا لدعم اللاجئين، وتنصلت من اتفاق الهجرة الذي يلزم الاتحاد بتعهدات مالية لدعم اللاجئين، مقابل تعهد أنقرة بالحيلولة دون وقف الهجرة.

لطالما نادت تركيا بإنشاء منطقة آمنة على الأراضي السورية، بحيث تضمن وقف شلال الدم النازف بآلة النظام، وتؤمن عودة طوعية آمنة للاجئين السوريين تحفظ كرامتهم على أرضهم.

وفي ظل الظروف آنفة الذكر، آن الأوان لأنقرة لأن تنبّه العالم أجمع بأنها لن تكون ضحية نظام قمعي فاسد يرقد في دمشق على أشلاء شعبه ودمائهم، في حين يقف العالم موقف المتفرج.

ولم يكن خافيا على المجتمع الدولي برمته، الدور الذي مارسته واشنطن طوال ست سنوات في دعم وتسليح تلك المنظمات الإرهابية، بغرض تمكينها من إقامة كيان وظيفي جديد في المنطقة العربية على شاكلة إسرائيل.

ورغم قناعة العالم وفي مقدمتهم العرب ـ الخاسر الأكبر من وجود تلك المنظمات ـ بأن تركيا لا تحمل أطماعا في شبر واحد من أي أرض مجاورة، إلا أن “منظومة الفلك الأمريكي” انجرفت صاغرةً إلى رفض “نبع السلام” ذات الدوافع الوقائية العلاجية.

فالعملية تسعى إلى تحقيق هدف “وقائي” يتمثل في الحيلولة دون إنشاء حزام إرهابي على الحدود الجنوبية التركية، ويحبط محاولة انفصالية لتجزئة الشمال السوري.

فيما يتمثل الهدف “العلاجي” في تطهير المنطقة من المنظمات الإرهابية وإنشاء مناطق آمنة، تمكّن اللاجئين السوريين من العودة طوعًا إلى أراضيهم.

** لمحة تاريخية

لقد عانت تركيا على مدار 35 عاما وقدمت عشرات الآلاف من الشهداء، خلال رحلة كفاحها في مواجهة تلك الجماعات الانفصالية التي لا تتورع عن قتل كل من يقف في وجه هدفها الانفصالي.

ويشهد التاريخ أن نظام حافظ الأسد في سوريا، أمّن في تسعينيات القرن الماضي، مأوى للمنظمات الانفصالية وسمح لها باستخدام الأراضي السورية لتنفيذ هجماتها الإرهابية ضد تركيا.

وفتح ذلك الأمر الباب على مصراعيه لإمكانية نشوب صراع بين أنقرة ودمشق أواخر التسعينيات، كاد أن يؤدي إلى اشتباك مسلح بين البلدين، قبل أن يتمكن الطرفان من استدراك الموقف بالتوصل إلى “اتفاقية أضنة”، التي تنص على حق تركيا في الدفاع عن نفسها وملاحقة الإرهابيين داخل الأراضي السورية إذا اقتضت الحاجة ذلك.

والخلاصة المرجوة، هي أن “نبع السلام” تبدو في ظاهرها عملية عسكرية بحتة وحربا على الإرهاب، ولكنها أيضا عملية إنسانية بامتياز تهدف لإعادة الملايين من السوريين إلى ديارهم بعد أن هجروا قسرا في أصقاع الأرض، وباتوا طعما لأسماك البحر المتوسط جراء غرق قوارب التهريب التي تحملهم إلى التيه والردى.

الأناضول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *