آراء وتحليلات

هل أسقطت الغوطة العيش السوري المشترك؟

واجه المجتمع الدولي أزمة سقوط قيمه الإنسانية في الأمم المتحدة خلال جلسة مجلس الأمن يوم الجمعة، 23 فبراير/ شباط الجاري، والتي أجل التصويت خلالها مرات عديدة على قرار بمنع القتل للمدنيين شهرا واحدا فقط، حيث قبل الأعضاء أن تتحول جلسة لمناقشة الواقع المأساوي في الغوطة، لتصبح جلسة مساومة وابتزاز روسية ليس فقط للسوريين، من أهالي مئات الضحايا الواقعين تحت القصف الروسي – الإيراني، المحاصرين غذائياً ودوائياً من النظام السوري، وإنما هي ابتزاز ومراهنة على ضعف موقف المجتمع الدولي الذي يتحدث بلغة لينة وممزوجة بالرجاء من قاتلٍ يشاهد العالم جريمته، عبر بث حي ومباشر من الغوطة الشرقية بكل مدنها وحاراتها.
ولا تقف الجريمة الروسية بحق السوريين عند ارتكاب المجازر وتوزيع المآسي على مساحة سورية، حيث يصل الطيران المحمل بأنواع الأسلحة الجديدة التي تختبر على أجساد السوريين الحية، بل أيضاً بالقفز إلى ما بعد هذه الوحشية العسكرية، وصولاً إلى تدمير ممنهج لأي تعايش مستقبلي بين السوريين، حيث يغذّي مندوب روسيا في الأمم المتحدة فكرة أن ما يحل بمناطق دمشق من سقوط لقذائف تستهدف المدنيين يتحمل ضحايا الغوطة المحاصرون مسؤوليتها، ما
“درس واضح، تريد موسكو أن تلقنه للجميع، دولاً ونظاماً ومعارضة، أن وباء التوحش قابل للتطوير بين جميع من هو حاضر في المقتلة السورية” يعني التأهيل للقبول بمخططات إيران في عملية التغيير الديمغرافي التي اتبعتها منذ بداية تدخلها في سورية في العام 2011، ومفاعيل واقعة المدن الأربع التي رعتها إيران وحزب الله مع جبهة النصرة لا تزال مستمرة، وقبلها ما حدث في حمص من تغيير ديمغرافي، تلا المجازر الوحشية التي قامت بها مليشيات إيرانية وحزب الله.
وإلى هنا، يبدو المشهد بكل ما فيه من ألم، لم يخرج عن المألوف، عند السوريين الذين عايشوا الحرب المعلنة عليهم منذ الأسابيع الأولى من انطلاقة صيحات الحرية، ومواجهتها بالرصاص الحي وكامل عتاد الجيش السوري، إلا أن ما يزيده استغرابا ووجعاً كان التمظهر الحقيقي لانقسام المجتمع السوري، وقدرة هذه السنوات السبع على إزاحة ستار الوحشية، عما يخالج المصطفين إلى جانب الآلة العسكرية الروسية والإيرانية، ومعهم النظام، التي تسحق أرواح أطفال الغوطة ونسائها وشيوخها، من دون تمييز بينهم وبين حاضنتهم الغوطة موقعا مكانيا لهم، أي أننا أمام حالة من انفصام إنساني تجعل من سوريٍّ يرى في جريمة قتل طفل إنقاذاً لحياته، ولا يرى في وجوه الضحايا ما يحفّزه على استنكار مدى الوحشية في أسلوب قتلها على أقل تقدير إنساني، ما يستوقفنا اليوم أمام فاجعات علينا مواجهتها والتفكير إنسانياً في سورية ما بعد المجازر، قبل التعاطي مع سورية دولة واحدة محتملة الاستمرار قانونياً.
ومن تلك الفواجع المؤسفة أننا أمام سؤال جاد، عن حقيقة مشاعرنا، نحن السوريين تجاه بعضنا بعضاً، وإمكانية أن نستمر في طلب العيش المشترك ضمن دولةٍ يسودها قانون واحد، وحكومة واحدة لا نعرف إلى أيٍّ من الانقسامات السورية تميل، وقد انقسمنا بين مؤيد ومعارض لجرائم ترتكب بحقنا، على اختلاف القتلة، و تنوع الضحايا بانتماءاتهم المذهبية والإيديولوجية والمناطقية والقومية؟
وهل يمكن التبرير للعنف السائد من النظام بأنه أزاح اللثام عن حجم المدفون سورياً، من مشاعر رفض للآخر، سواء كان هذا الآخر من جماعة تتحد في موقفها إيدولوجياً، أو مصلحياً، أو مذهبياً، في مواجهة آخر يرفض سلوكاً سلطوياً؟ وكيف يمكن الجمع بين متناقضات سلوكية وأخلاقية في الحاضنة الواحدة نفسها التي تقبل بقتل طفل “سنّي” من حاضنة الثورة، بينما ترفض قتل طفل آخر من حاضنة النظام، بمبرّر أن من يقتل السني في الغوطة وإدلب وحوران هو من قوى السلطة الحاكمة، بينما تلقى التهم جزافاً على كل المعارضة بأنها مسؤولة عن قذائف مجهولة الهوية، بينما واضح الهدف الذي يزيد عمق الشرخ المجتمعي؟
وعلى الجهة المقابلة وبالمواجهة الصريحة، لا بد من السؤال: كيف نفهم أن الحاضنة الشعبية للثورة يمكن أن تتفهم جرائم بحق أطفال من كرد سورية في عفرين، بينما تدين وتطالب بلجم إرهاب النظام وروسيا وإيران في الغوطة؟ هل تحول الانتماء السوري من انتماء إلى الوطن الذي يعني المواطنين الذين يتشكل منهم ذلك الوطن الذي يبدو جزءا من خيال حكايات الجدات ليس إلا، إلى الانتماء إلى القاتل ومذهبه وسياسته وداعميه، وحتى خياناته؟
في الغوطة، ثمّة درس واضح، تريد موسكو أن تلقنه للجميع، دولاً ونظاماً ومعارضة، أن وباء التوحش قابل للتطوير بين جميع من هو حاضر في المقتلة السورية، لأنها تستطيع تعويمه وتدويله والتأسيس لقبوله، ليس بالصمت الدولي فقط، ولكن أيضاً بالقرارات الدولية “المرنة” المعدة سابقاً لمصلحة التفسيرات المتناقضة بين المتوافقين عليها، وقد حدث ذلك منذ بيان جنيف1، وصولاً إلى كل القرارات الأممية من 2218 حتى 2254 والبيانات اللاحقة من عواصم مختلفة غربية وأميركية، وحتى عربية.
وفي اجتماعات مجلس الأمن، ثمّة دروس دولية للسوريين على ضفتي الصراع، أن هذا المصير القابل للتصعيد ليس خارجاً عن السيطرة، بل هو يسير ضمن سياقه المرسوم عبر
“المطلوب أكثر من العودة إلى حضن الاستبداد كرعية مهزومة، بل القبول والتسليم بأن القاتل هو الضحية، وأن الضحايا أعداد لم تكن إلا ضالة” إخضاع كل الأطراف لمعادلات دولية دقيقة الحسابات والتكلفة، ناتجها الأخير القبول بالتسليم وليس الاستلام، التسليم بأننا، نحن السوريين، أدوات مخطوفة بيد دول عدوة وصديقة، وأن حجم تعاطفنا مع قضايانا، ولو كلامياً، يمر من مصفاة تلك الدول الراعية للصراع واستمراريته، والتي ترى في قتل السوريين السنة في الغوطة وإدلب وحماة وحلب مكافحةً لإرهاب مستقبلي، يهدّد علمانية النظام الفئوي القائم، وفي الوقت نفسه، هناك من الضحايا من يبرّر قتلاً آخر على أساس قومي ومذهبي، وحتى نوعي!
وعلى ذلك، فإن الاستسلام للنظام بشكله الحالي ليس حلاً مطلوباً، حتى من النظام الحاكم، لأن ما هو مطلوب أكثر من العودة إلى حضن الاستبداد كرعية مهزومة، بل القبول والتسليم بأن القاتل هو الضحية، وأن الضحايا أعداد لم تكن إلا ضالة.
نعم، من تلك الفواجع أن وحشية القاتل التي يدافع عنها مندوب موسكو في جلسة مجلس الأمن ليست أكبر فواجعنا، وإنما بقبول أن يمارس بعض ضحايا الاستبداد من السوريين دور المتفرج والمتفاعل والمنفعل بهذه الجرائم، من الغوطة الشرقية حتى إدلب وعفرين، ليس إلى جانب الضحية الإنسان، وإنما إلى جانب القاتل، وقد تعددت تسمياته، وتنوعت جنسياته، ويتحول هؤلاء الضحايا من المؤيدين لأي قاتل في سورية، أيضاً، إلى جوقة من المصفقين، كلما ازداد صوتها ارتفاعاً عرفنا أن سورية الواحدة الموحدة شعباً التي نأملها، تنازع أمام خيار الحفاظ على حياة بعض طفولة مغدورة، فهل أسقطت الغوطة آخر ما تبقى من حديثٍ عن حياة مشتركة بين السوريين؟

العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *