زيارة السجين وتكريس السجّان

لم تكن دعوة الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، خلال القمة الإسلامية في إسطنبول الأسبوع الماضي، إلى زيارة القدس والأراضي الفلسطينية باعتبارها زيارة للسجين وليست دعماً للسجان، الأولى من نوعها، فقد سبق لأبو مازن أن أطلق مثل هذه الدعوة في مناسبات سابقة، وبالفعل تم التجاوب معها من أكثر من طرف عربي، غير أنها لم تغلق الباب حول الشبهات التطبيعية التي تأتي من هذه الزيارات، خصوصاً أن المستفيد الأساسي منها ليس الفلسطينيين، بل دولة الاحتلال.
قد يكون تعبير زيارة السجين مدغدغاً لمشاعر كثيرين يريدون التضامن مع الفلسطينيين في محنتهم الطويلة، إلا أن التطبيق على أرض الواقع لن يؤدي إلى هذا الغرض بالتأكيد، خصوصاً أن هناك من سيستغله فعلياً للقيام برحلاتٍ تطبيعيةٍ حقيقية إلى إسرائيل. وإذا تجنبنا الخوض في هذا الجانب، وأبقينا على حسن النيات في الزيارات التي يريدها أبو مازن، والتي أضاف عليها الاستثمارات أيضاً، يمكننا أن نطرح تساؤلاً حول كيفية الاستفادة الفلسطينية من هذه الخطوات، وأي مردود يمكن أن يحصل عليه الفلسطينيون من قدوم وفود عربية إلى القدس المحتلة والضفة الغربية تحت أنظار الجيش الإسرائيلي، وبموافقات أمنية من دولة الاحتلال.
هل المقصود من الزيارات أن تؤدّي إلى اعتراف سياسي عربي بالوضع القائم؟ بالتأكيد هذا ما تريده إسرائيل فعلياً، فأي خدمةٍ قد تكون أفضل من قبول عربي بالوضع الاحتلالي للقدس والضفة الغربية، باعتباره وضعاً شبه نهائي، والتصرّف بشكل طبيعي على أساسه عبر الزيارات والاستثمارات وتبادل السفارات. مشهد يزيل القضية الفلسطينية تماماً عن خريطة الاهتمامات الدولية، ولا سيما في حال تم استثماره من سلطات الاحتلال التي ستقدم نفسها حامية لحقوق المسجونين الفلسطينيين، والحريصة على تأمين كل مستلزماتهم، بما فيها زيارة الأهل والأقارب. قد لا يكون هذا هدفاً إسرائيلياً فقط، فبعض الدول العربية تسعى فعلياً إلى تكريس هذا الوضع، وإنْ بأشكال أخرى، كأن تكون داعمةً لتشكيل هيكل فلسطيني تحت مسمى دولة، يسهل تطبيع العلاقات مع إسرائيل بشكل علني ومكشوف، وهو ما بدأنا نراه فعلياً بعد ترويج صفقة القرن وزيارة الوفد البحريني إلى القدس المحتلة في ذروة الهبّة المعترضة على قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إعلان القدس عاصمة لإسرائيل.
وإذا كان هذا الحال في الزيارات، فكيف يمكن أن تكون في الاستثمارات التي يريدها أبو مازن، خصوصاً في القدس المحتلة الخاضعة كلياً للسيطرة الإسرائيلية، والتي ربما لا يستطيع عباس نفسه زيارتها من دون كثير من التنسيق مع قوات الاحتلال. فأي مشروع قد يتم فتحه في الأراضي المحتلة، فإن مردوده الأساسي سيكون لإسرائيل، وليس لغيرها، حتى لو تم في مناطق فلسطينية، وتحت مسمى دعم المقدسيين في التشبث بأرضهم وعدم مغادرتها. فمن المعروف أن أي نشاط تجاري في القدس المحتلة سيكون خاضعاً للسلطات الاقتصادية والضرائبية الإسرائيلية، ويحتاج إلى موافقاتٍ أمنيةٍ إضافة إلى موافقة بلدية القدس الخاضعة لإسرائيل، والتي لن تتوانى عن الموافقة، طالما أنها ستكون المستفيد الأساسي اقتصادياً وسياسياً من هذه المشاريع.
بناءً عليه، فإن زيارة السجين في هذه الحالة ستكون خدمة للسجّان، ولن تؤدي، في النهاية، إلا إلى تغوّله وتكريس الوضع القائم، ليبقى السجين سجيناً والسجان سجاناً، مع فارق أنه معترفٌ به عربياً.

ر “العربي الجديد”

كيف تصنع رأياً عاماً بلمح البصر؟

من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، كما يفعل بعض العاملين في الإعلام. ففي ذلك إساءة بالغة ليس للرأي العام، بل للبغل، فمن المعروف أن البغل، ابن الحمار والفرس، حيوان مشهور بالعناد وكبر الرأس وصعوبة المراس، أي أنه ليس من السهل التحكم به وقيادته حيث تريد، فغالباً ما يحرن بسرعة، وفي أحيان كثيرةً يركل صاحبه ركلات موجعة ودامية. وكل هذه الصفات البغلية ليست من خصال الإنسان.
وإذا أراد أحدكم التعرف على سهولة التحكم بالناس وسوقهم كقطعان فعليكم بكتابي «سيكولوجية الجماهير» للمفكر الفرنسي الشهير غوستاف لوبون، وكتاب «بروبوغاندا» للداهية الأمريكي الشهير إيدوارد بيرنيس. وبالمناسبة كلا الكتابين كانا الكتابين المفضلين للزعيم النازي أدولف هتلر ووزير إعلامه الشهير جوزيف غوبلز. فقد كان هتلر يضع الكتابين المذكورين وراء مكتبه لشدة تعلقه بهما.
لقد كشف لنا لوبون في كتابه كيف بإمكانك التحكم بالحشود في الشوارع، وكيف بإمكانك سوقها حيث تريد ببساطة متناهية. وجاء بيرنيس ليؤطر ذلك إعلامياً من خلال كتابه الشهير الذي أصبح المرجع الأول والأخير لوسائل الإعلام الأمريكية خاصة، والغربية عامة. ولا ننسى أيضاً كتاب «المتلاعبون بالعقول» لهيربيرت شيلر».
الكثير منا يعتقد أن الديمقراطيات الغربية محكومة بالرأي العام، وأن الحكومات هناك لا تستطيع أن تقوم بشيء إلا إذا كان الرأي العام موافقاً وقابلاً بالسياسات والاستراتيجيات المطروحة. وهذه طبعاً كذبة كبيرة لا أساس لها من الصحة. فالأصل ليس رأي الشعب، بل من يصنع رأي الشعب، ويوجهه في الاتجاه الذي يريد. وقد سخر أحد الإعلاميين قبل فترة عندما برر أحد المتحدثين تقاعس الرئيس الأمريكي على مدى أكثر من عامين عن القيام بإجراء حازم ضد النظام السوري بأنه نتيجة لرفض الرأي العام الأمريكي لأي حروب أمريكية خارجية جديدة بعد أفغانستان والعراق. ليس صحيحاً أبداً أن الإدارة الأمريكية تخشى ردة فعل الشعب فيما لو كانت تريد القيام بإجراء عسكري ضد النظام السوري، بل هي في هذه الحالة، كما يقول معارضوها من الصقور، تبرر تقاعسها وترددها بإلقاء اللوم على الشارع الأمريكي. وهي كاذبة في ذلك حسب رأيهم، فمن عادة الحكومات الديمقراطية وغير الديمقراطية أن تفعل ما تريد عندما يكون لها مصلحة في تحرك ما، وعندما لا يكون لها مصلحة تبرر صمتها بأكذوبة الرأي العام.
من أسهل ما يكون أن تصنع رأياً عاماً في الديمقراطيات الغربية، خاصة في الزمن المعاصر حيث أصبحت وسائل الإعلام السلطة الأولى وليس الرابعة كما كانت في القرن التاسع عشر. العملية حسب تعليمات الداهية الكبير إيدوارد بيرنيس في غاية السهولة، فإذا كان بيرنيس قادراً بوسائله الإعلامية المتواضعة أن يوجه المجتمع الأمريكي في أي اتجاه تريده الحكومة في بداية القرن العشرين، فما بالك الآن، وقد أصبحت وسائل الإعلام وحشاً كاسراً أقوى من كل الترسانات الحربية، وهي التي تحسم المعارك الكبرى على الشاشات قبل أن تـُحسم على الأرض. عندما فكرت أمريكا بالمشاركة في الحرب العالمية الثانية ضد اليابان على نطاق واسع في العقد الرابع من القرن الماضي مثلاً، بدأت تبحث عن أعذار وحجج للالتحاق بالحرب، فطلبت من بيرنيس أن يضع لها استراتيجية إعلامية لإقناع الأمريكيين، وبعد أيام ظهرت الصحف وعلى صفحاتها الأولى كاريكاتير صممه بيرنيس. الكاريكاتير كان عبارة عن رسم لطائرات يابانية تقصف تمثال الحرية في نيويورك. وما أن شاهد الأمريكيون الصورة حتى ثارت ثائرتهم، وبدؤوا يتوعدون اليابان بالويل والثبور وعظائم الأمور، ويدفعون حكومتهم للتدخل أكثر فأكثر في الحرب. لقد جاء الكاريكاتير كالقشة التي قصمت ظهر البعير، خاصة وأن الصراع احتد وقتها كثيراً بين الطرفين عسكرياً. من الخطأ الاعتقاد أن الشعوب الغربية أكثر ذكاء وفطنة من شعوب العالم الثالث، فعلى العكس من ذلك، فهي سهلة الانقياد، وبإمكانك أن توجهها بسهولة. ولو نظرنا إلى الطريقة التي أدار فيها الإعلام الأمريكي الحملة لغزو العراق لوجدنا كيف نجح بسهولة في توجيه الأمريكيين دفعة واحدة لتأييد القضاء على صدام حسين. وقد ذكرت الإعلامية الأمريكية الشهيرة أيمي غودمان أن بعض الصحف الأمريكية الكبرى مثلاً كانت يومياً تنشر ما نسبته خمسة وتسعون في المئة من الآراء المؤيدة للغزو على صفحاتها الأولى، وخمسة في المئة فقط من الآراء المعارضة في صفحات أخرى. ويحدثونك عن الموضوعية والمهنية. ولو نظرنا إلى تعامل وسائل الإعلام الغربية مع المسألة السورية لوجدنا أنها كانت تعكس فعلاً الموقف الغربي الرسمي البارد والمتردد. وبالرغم من البشاعات التي شهدها الوضع السوري من مجازر رهيبة، إلا أن الشعوب الغربية لم تتأثر كثيراً بما يحدث من الناحية الإنسانية، لأن وسائل الإعلام صانعة الرأي العام كانت تريد الشعوب الغربية بعيدة عن الشأن السوري كي تبرر تقاعس الحكومات الغربية، كما يرى منتقدوها. ولو كانت هناك رغبة غربية حقيقية في الدخول على خط الأزمة السورية لصنعت رأياً عاماً يبرر لها تدخلها خلال أيام فقط، كما يرون. ولعلنا شاهدنا كيف تحرك الشارع الغربي فجأة لمجرد نشر بعض صور ضحايا الهجوم الكيماوي على غوطة دمشق في ذلك الوقت. فعندما فكرت الحكومات الغربية بالتدخل في سوريا، غدا الخبر السوري فجأة الخبر الأول في نشرات الأخبار التلفزيونية الغربية، وبدأ الناس يدعون لوضع حد لمحنة الشعب السوري. لا أحد يحاول أن يضحك علينا بالرأي العام، فالرأي العام مجرد لعبة مفضوحة تلعبها الحكومات متى أرادت أن تفعل شيئاً، وتتحجج به عندما تريد أن تتهرب من فعل شيء. صحيح أن مواقع التواصل الاجتماعي تحولت إلى منابر وبرلمانات شعبية يمكن أن تنافس الرأي العام الرسمي، لكن الحكومات في السنوات القليلة الماضية بدأت تصنع جيوشها الالكترونية الجبارة لمواجهة الزخم الشعبي لمواقع التواصل. ولا شك أن الحكومات بإمكانياتها الضخمة تستطيع أن تنافس رواد المواقع الذي يعملون فرادى. بكل الأحوال المعركة بين الرأي العام الرسمي والرأي العام الشعبي في مواقع التواصل ما زالت في أولها. وسنعرف لاحقاً من ستكون له اليد الطولى في صناعة الرأي العام.

كاتب واعلامي سوري

د. فيصل القاسم

فقدان المعنى

ثمة مسكوتٌ عنه في حياة المثقفين العرب اللاجئين إلى أوروبا: الكآبة. نوبات قد تطول أو تقصر، إنما لا ضمانات بعدم عودتها في دورة جديدة، ربما تكون أقسى وأكثف.
في البداية، يكون المثقف غير مصدق أنه وصل “قارّة الأحلام” التي قرأ عنها طويلاً. يفتنه الجديد المختلف، إلى درجة الدخول في حالةٍ من انعدام الوزن.
ثم رويداً رويداً، يبدأ الوجه الحقيقي للمنفى في التكشّف. حينها، ينبثق شبحُ الفشل المرعب ليطارد هذا المثقف، تماماً كما يحدث مع مواطنيه المهاجرين العاديين (فيمنعهم عن العودة)، ولا يكون المهرب عند الجميع إلا بالمكابرة. تسأله عن حاله، فيقول بخير. وكثير منهم يظل على عواهن خيره، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
أما بعضهم، فيقول حقيقته شفاهةً لكنه لا يكتبها. وفي الحالين، هناك تواطؤ ضمني بينهم، فحواه أنهم محسودون من زملائهم المقهورين هناك، ويتمتعون بامتيازات لا يجرؤ على الحلم بها أولئك الغلابا، لذا لا يجوز تحبير حقيقتهم ونشرها، فهذا يعني أنهم فشلوا شخصياً، وهو أمر أشبه بالعار.
هنا يتساوي المثقفون مع مواطنيهم اللاجئين العاديين وقد سكن كليهما هاجسُ الفشل.
فإذا كانت الثقافة في جانب من جوانبها تعني: التجاوز، فإن هؤلاء يكونون قد أخفقوا في امتحان الثقافة أيضاً.
أما الكآبة الوافدة، فهي ليست سوى عرض من أعراض سندرُم اسمه: فقدان المعنى، قد يدري به هؤلاء المثقفون وقد لا يدرون!

“العربي الجديد” الالكتروني

السيسي وسد النهضة.. ما الحل؟

خلصت مقالة لصاحب هذه السطور، نشرت في “العربي الجديد” (مصر وسد النهضة.. كلاكيت 14 مرة) في 20 مايو/ أيار الماضي إلى عدم جدوى استمرار مصر في المفاوضات بشأن سد النهضة الإثيوبي مع السودان وإثيوبيا، لا سيما مع استمرار التعنت الإثيوبي، وتصاعد الخلافات بين القاهرة والخرطوم، وما تردد عن طلب الأخيرة تسوية أزمة حلايب وشلاتين لقاء توسطها لدى أديس أبابا بخصوص السد.
يبدو أن الطرف المصري توصل إلى نتيجة “فشل المفاوضات” بعد طول انتظار (ستة أشهر)، وثلاث جولات إضافية، وإتمام إثيوبيا 60% من السد، بحسب وزير الري، محمد عبد العاطي، الذي أعلن من قلب القاهرة فشل الجولة 17 بسبب ما وصفه بتعنت الجانبين، السوداني والإثيوبي، بشأن التقرير الاستهلالي للمكتبين الفرنسيين، على الرغم من أن إثيوبيا هي التي اختارت أحدهما، وعمدت إلى استبعاد المكتب الهولندي الذي رشحته مصر. ولعل خطورة هذا الفشل أنه لا يرتبط بهذه الجولة كسوابقها، ولكن بمستقبل عملية التفاوض، وكيفية درء الأضرار التي يمكن أن تنجم عن بناء السد بهذا الحجم (174 مترا ويحتجز 74 مليار متر مكعب من الماء)، في حالة توقف هذه المفاوضات.
كيف وصلت مصر إلى هذه النتيجة؟ هناك عدة مؤشرات يمكن رصدها في هذا الشأن، لا تشير فقط إلى التعنت الإثيوبي، وإنما سعيها إلى عدم حصول مصر على استحقاقات مصرية واضحة من ناحية، أو إلزام نفسها بالتزاماتٍ تمس سيادتها، أو تدفعها إلى تقديم تنازلات مجانية. وقد استغلت إثيوبيا حالة عدم الاستقرار في مصر بعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، لمواصلة
“حرصت إثيوبيا في أول اجتماع ثلاثي، على رفض الطلب المصري تدويل اللجنة على غرار لجنة الخبراء” عملية بناء السد، والتعنت في تنفيذ مقرّرات اللجنة الدولية للخبراء التي أصدرت تقريرها أواخر عهد الرئيس المخلوع محمد مرسي. وطالبت حينها بإجراء ثلاث دراسات توضيحية، تتعلق الأولى بمعرفة الآثار المائية التي قد تصيب دولتي المصب، مصر والسودان، جرّاء بناء السد. وتناقش الثانية الآثار البيئية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة على ذلك، حيث أصرت على استبعاد الدراسة الثالثة الخاصة بسلامة السد وحجمه وسعته التخزينية، وهو ما يفسر زيادتها، بعد ذلك، حجم بحيرته من 14 مليار متر مكعب إلى 74 مليار متر مكعب، على الرغم من عدم الحاجة لكل هذه المساحة التخزينية لتوليد الكهرباء.
ويذكر أن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، اتفق مع رئيس الوزراء الإثيوبي، هايلي ماريام ديسالين، في اجتماعهما على هامش القمة الأفريقية في أديس أبابا في يوليو/ تموز 2014، على ضرورة تشكيل اللجنة الفنية المنوط بها تكليف مكاتب استشارية بتنفيذ الدراسات التي طلبتها اللجنة الدولية، غير أن إثيوبيا حرصت، في أول اجتماع ثلاثي، على رفض الطلب المصري تدويل اللجنة على غرار لجنة الخبراء، حيث كانت مصر تخشى، في حينه، من أن يحدث تواطؤ ضدها. ومع ذلك انصاعت للطلب الإثيوبي بأن تكون اللجنة وطنية. ثم رفضت إثيوبيا طلبا مصريا آخر بوقف أعمال بناء السد إلى حين اكتمال الدراسات. وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2014. أعلن وزير الري الإثيوبي، سيلشي بيكي، عدم إلزامية النتائج الخاصة بدراستي المكتبين، وقال إن هذه الدراسات، وإنْ تحظى بالاحترام (RESPECTED) إلا أنها لا تعني وقف بناء السد. وهو ما أيده أيضا وزير الري السوداني، معتز موسى، في حديث للتلفزيون المصري، حيث قال إن رأي المكتب الاستشاري ليس ملزما، وليس حكما قضائيا. واضطر المفاوض المصري للموافقة عليه. ثم جاء إعلان المبادئ الذي وقعته الدول الثلاث في الخرطوم في مارس/ آذار 2015 ليؤكد هذا الأمر، حيث أشار، في البند الخامس الخاص
“الطرف المصري توصل إلى نتيجة “فشل المفاوضات” بعد طول انتظار” بالتعاون في عملية الملء الأول وإدارة السد، إلى “احترام (وليس الالتزام) المخرجات النهائية للتقرير الختامي للجنة الوطنية حول الدراسات الموصى بها في التقرير النهائي للجنة الدولية”.
يفسر هذا النص لنا عدة أمور، منها أسباب استمرار الرفض الإثيوبي والسوداني الأخير للتقرير الاستهلالي “الأولي” لهذين المكتبين، على الرغم من بحثه منذ مايو/ أيار الماضي، وعلى الرغم من انتهاء المدة الرسمية لإنجازهما في أغسطس/ آب الماضي. ويفسر النص أيضا أسباب حرص إثيوبيا على عدم مشاركة مصر في موضوع ملء سد النهضة للمرة الأولى، وكذلك إدارته باعتبارهما من أعمال السيادة. صحيح أنها ملتزمة ببند التعاون، كما جاء في إعلان المبادئ، لكنها تفسره وفق مفهومها، حيث يقتصر على إطلاعها المصريين على ما تريده وليس على ما يريدونه. كما حدث في زيارة وزير الموارد المائية والري المصري، محمد عبد العاطي، السد، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
يبقى التساؤل عن خيارات مصر بعد فشل المفاوضات… نص اتفاق مبادئ الخرطوم، في بنده العاشر، على أن تقوم الدول الثلاث بتسوية منازعاتهم الناشئة عن تفسير هذا الاتفاق أو تطبيقه، بالتوافق من خلال المشاورات أو التفاوض، وفقاً لمبدأ حسن النيات. وإذا لم تنجح في حل الخلاف من خلال المشاورات أو المفاوضات، فيمكن لها مجتمعةً طلب التوفيق، الوساطة أو إحالة الأمر إلى عناية رؤساء الدول/ رئيس الحكومة. ومعنى هذا، وفي ظل فشل المفاوضات الفنية، فإن الأمر الآن في ملعب عبد الفتاح السيسي لتسوية هذه المسائل وغيرها، لكن علاقات الرجل بكل من البلدين تشهد توترا ملحوظا في الآونة الأخيرة، في مقابل توطيد العلاقات بينهما بصورة لافتة. ومن ثم قد تكون هناك صعوبة في المفاوضات المباشرة، وبالتالي يمكن أن يبحث الرجل عن وسيط للتدخل. وهنا السؤال: هل يمكن أن يكون هذا الوسيط هو إسرائيل، صاحبة العلاقات الوطيدة مع أديس أبابا، أم السعودية والإمارات، على الرغم من برود علاقتيهما بالسودان على خلفية أزمة حصار قطر؟ وفي حالة الفشل: ماذا سيفعل الرجل، لاسيما في حال فشل التسوية السياسية، ورفض إثيوبيا التسوية القانونية، ناهيك عن ضعف فاعلية وسائل الضغط “المحدودة” التي يمتلكها في مواجهتهما، لا سيما بعد اكتشاف أمر دعمه المعارضة في الحالة الإثيوبية، ودولة جنوب السودان في حالة السودان؟ أم سيكون البديل الأسهل البحث عن مصادر مياه بديلة، أم حتى الطلب من الشعب المصري “الكادح تقليل الاستهلاك عبر رفع الدعم الكلي عن المياه”؟
“العربي الجديد” الالكتروني
بدر شافعي

موسم جيد لحصاد إسرائيلي وإيراني

تمنح التطورات المتسارعة في المشرق العربي مزيدا من التأثير للقوى الإقليمية المجاورة، وهي إسرائيل وإيران وتركيا. وبينما تثور الخلافات البينية بشأن الموقف من إحدى الدول الثلاث، إلا أن المستفيد يبقى في محصلة التطورات الطرفان الإسرائيلي والإيراني. إذ لا توجد جبهة متحدة أو منسجمة في وجه أي منهما. وكلتاهما تجدان في التطورات فرصةً لمزيدٍ من التأثير والتدخلات في شؤون منطقتنا. وقد جاء الحدث المتعلق باستقالة رئيس الحكومة اللبنانية، سعد الحريري، نموذجا مكثفا للاستغلالين، الإسرائيلي والإيراني، لهذه المسألة، فيما تتباعد مواقف عربية حيال هذا التطور الذي يتعلق بلبنان، لكن تداعياته المنظورة والمحتملة تمتد إلى خارج هذا البلد. فقد استغلت تل أبيب فرصة توجيه اتهامات من الحريري لحزب الله وإيران، كيما توجه تهديدات إلى لبنان، وبزعم الحد من التأثير الإيراني فيه. وبينما يقول الحريري إن الأجواء في بلده هذه الأيام شبيهة بالتي سبقت اغتيال والده، رفيق الحريري، في العام 2005، فإن أطرافا لبنانية وعربية ترى الأجواء الحالية من منظور آخر، وتعتبرها شبيهةً بأجواء صيف 2006 التي سبقت حرب تموز الإسرائيلية على لبنان وحزب الله. وهكذا بترك المشكلات الداخلية تتفاقم في لبنان، فإنه أمكن لتل أبيب التدخل سياسيا على خط التوترات، بما قد يشكل مقدمةً لتدخل عسكري واسع النطاق. والحروب جيدة لتل أبيب، تمنحها فرصةً لاستعراض قوتها العسكرية المتطورة، وتعزيز الدعاية الصهيونية القائلة إن ثمة خطرا دائما يحيق بها من الخارج، ليس بعيدا عن حدودها، كما تسمح لها الحروب بالهرب من ملفاتٍ ثقيلة، مثل ملف التسوية مع الجانب الفلسطيني.
وقد سعت تل أبيب، بقدر من النجاح، إلى الادعاء بأن ثمة قضية تجمعها مع العالم العربي، هي مكافحة الإرهاب. والآن، تركّز الدعاية الإسرائيلية على أن مسألة التصدي لإيران تجمعها
“لا يعرف رجل الأعمال الذي يقود أميركا ما الذي يريده في منطقتنا” بأطرافٍ عربية عدة. في وقتٍ تحتل فيه إسرائيل أرضا عربية، وتستبيح المقدسات الإسلامية، وتستولي على أملاك مسيحية، وتمارس إرهاب الدولة بصورة منهجية وثابتة. وتستثمر، في الوقت نفسه، المناخ الدولي (الغربي) ضد إيران، على أن التهديدات الإسرائيلية لا تنذر سوى بمواجهةٍ مع إيران على أرضٍ عربية (في لبنان، وربما في سورية حسب تصريحات لجنرالات الاحتلال)، وبعيدا عن إيران. وبهذا تتقدّم تل أبيب لكي تمنح نفسها دور العامل المؤثر والوازن في صراعات المنطقة، وذلك في محاولةٍ لحجب صورتها وواقعها وموقعها دولةً تهدد، في الصميم، منذ نشأتها، الأمن الجماعي للمنطقة. فيما تطرح، بين آونةٍ وأخرى، مشاريع سلام وهمية في المنطقة، وجديدها “السلام الإقليمي” للتنصل من استحقات السلام مع الطرف الأصلي في الصراع، وصرف أنظار الآخرين عن هذه الاستحقاقات. وهي لعبةٌ دأب الاحتلال على ممارساتها، بطرح أولوياتٍ وأجنداتٍ تقفز، في كل مرةٍ، عن موجبات الالتزام بمحدّدات السلام، بإعادة الأرض إلى أصحابها، والتمتع مع الآخرين بفرص الأمن والسلام. وتجد تل أبيب فرصة ذهبية في تراجع القضية الفلسطينية إلى مرتبةٍ متدنيةٍ على سلّم الأولويات العربية. فيما السلطة الفلسطينية منهمكةٌ في تعظيم سلطويتها على شعبها، ويندفع الطرف الفلسطيني الآخر (حماس) بعد المصالحة نحو إيران، وهو الطرف الثاني المستفيد من جملة التطورات المتسارعة التي تشهدها منطقتنا. وقد جاءت استقالة الحريري، وما تضمنته من أسبابٍ لكي تعيد مواقف سبق أن طرحها الرجل، ولم تكن جديدة أو طارئة.. الجديد فيها أن هذه الأسباب، والتي تتمحور حول النفوذ الإيراني، من خلال حزب الله، هي التي دفعته إلى الاستقالة، بعد نحو سنة من تشكيله حكومته. والحال أن إقدام الرجل على ما سُمّيت تسوية داخلية صعدت بميشال عون، حليف حزب الله، إلى سدة الرئاسة، ما كان يمكن أن تنتج سوى تعزيز النفوذ الإيراني على الأرض، وإلى تكريس وجود جيشين في البلد، على حد تعبير الرئيس السابق، ميشال سليمان، خصوصا أن رئيس الجمهورية الحالي والرئيس الدائم لمجلس النواب، نبيه بري، لا يريان
“يتعاظم التهديد الإسرائيلي، كما يتضاعف النفوذ الإيراني، وسط تخبط دولي” غضاضةً في وجود جيشين. وتستغل إيران ذلك كله للحديث عن تدخلاتٍ في لبنان، وذلك في محاولةٍ لتغطية تدخلها الهائل والجسيم من خلال حزب الله، المرتبط بإيران وأجنداتها في المنطقة. وإذا ما تعرّض لبنان لاعتداء إسرائيلي، فلن يضير ذلك إيران كثيرا، كما حدث في العام 2006، سوف تتغنى بالمقاومة والتصدّي للعدو، ولكن بعيداً جداً عن حدودها. وتواصل دعم الحوثيين بالسلاح، وسياسيا ودبلوماسيا، وسد الطرق أمام تسوية تعيدهم إلى حجمهم الطبيعي حزبا سياسيا بين الأحزاب، وتعيد الشرعية إلى صنعاء وفقاً لاتفاقيات سابقة مبرمة بين المكونات اليمنية. وليس مستغربا، وسط حالة التفكّك العربية، أن تشتد وتيرة العدوانية الإيرانية، وأن يتم التعامل مع المشرق مجالا حيويا وحديقة خلفية ومشاريع مستعمرات للجمهورية الإسلامية.
أما الطرف الإقليمي الثالث، وهو تركيا، فإن لعبة القوى الإقليمية والدولية تسعى إلى دفعه نحو التركيز على الحركة الكردية دون سواها، وبعدما استخدمت أميركا وإيران، وبدرجة أقل، روسيا، الورقة الكردية على مدى عقد سابق على الأقل، من أجل الضغط على تركيا، فإن هذه الأطراف باتت تدعو أنقرة إلى التلاقي من أجل محاربة الأكراد ونفض اليد من الملفات الإقليمية الأخرى التي يُعهد بها لإيران وروسيا، وبدرجة أقل لأميركا. وقد صُممت لعبة مؤتمرات أستانة لغرضٍ مثل هذا، إلى جانب إضعاف المعارضة السورية. وقبل أيام، كان كبير مستشاري علي خامئني يهدّد بأن المعركة ضد إدلب ستبدأ قريبا، وفي قفز عن الوجود التركي في المدينة وحولها، وفق مخرجات أستانة أخيرا. والحال أن أنقرة لم تجد حلفاء أو شركاء لها في المنطقة، كما وجدت طهران مثل أولئك الحلفاء.
وفي المحصلة، يتعاظم التهديد الإسرائيلي، كما يتضاعف النفوذ الإيراني، وسط تخبط دولي، حيث لا يعرف رجل الأعمال الذي يقود أميركا (الرئيس دونالد ترامب) ما الذي يريده في منطقتنا غير دعم الاحتلال الإسرائيلي، فيما تفعل موسكو كل ما يسعها فعله من أجل تقليص النفوذ الأميركي، وفي سبيل أن يحل التمدّد الروسي والإيراني محل ذلك النفوذ. وفي إدارة ظهر كاملة لإرادة شعوب المنطقة التي ترفض كل نفوذ أجنبي.
محمود الريماوي

الضربة الأمريكية التالية ستكون في سوريا

هاشمت بابا أوغلو – صحيفة صباح – ترجمة وتحرير ترك برس

أعلم، لا بد أن عقولكم مشغولة بما قاله ستيف بانون…

قبل أيام قال بانون “تركيا أخطر بالنسبة لنا من إيران”…

أنتم على حق.

هناك أمر يتوجب التأكيد عليه أولًا.. خطأ كبير أن نعتبر كلام بانون عن فراغ، لأنه استقال من منصبه في البيت الأبيض.

الإعلام الأمريكي على ثقة من أنه على رأس عمله. ويجب التعامل بدقة مع ما يقوله بانون ومتى ولماذا في هذا الوقت، وهو رجل عسكري وقانوني واقتصادي، ويمتلك علاقات قوية مع الدولة العميقة.

لكن بصراحة، ما يشغل بالي تصريح آخر.

قبل أيام قال وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون “لا نريد الأسد في مستقبل سوريا”.

صدرو تصريح عن الولايات المتحدة بخصوص مستقبل سوريا أمر مهم، بعد تركيزها مدة طويلة على العراق وشمال سوريا.

التأكيد بهذا القدر على أنها لا تريد الأسد يؤدي بنا إلى رسالة مفادها “سنحارب في سوريا عندما يحين الوقت”.

في مقالتي السابقة تساءلت “هل توجه أمريكا أسلحتها باتجاه إيران لتضرب مكانًا آخر؟”.

فأين هو هذا المكان؟

لنتقدم خطوة خطوة…

كشفت البنتاغون على نحو سريع عن رغبتها بعدم معاداة قطر وفقدانها. والشرطي السيئ بالنسبة لبلدان الخليج يلعب اليوم دور الشرطي الطيب تجاه قطر.

بالعودة إلى التجاذبات الأمريكية التركية، إذا تركنا عبارات بانون التي تصدرت مانشيتات الصحف جانبًا، ونظرنا إلى التصريحات بأكملها سنجد مشهدًا غريبًا.. يقول بانون “لا يمكننا قراءة ما يحدث تمامًا في تركيا. سوف أتابع الأمر من الآن فصاعدًا عن كثب”.

والخلاصة هي التالية: تدرك الولايات المتحدة الجديدة أنها لم تدرس تركيا بما فيه الكفاية.

بمعنى أنها تختبر وتقيس وتضع الخطط وتغيرها.

أعتقد أن العقدة الأساسية سوف تكون في سوريا مجددًا.

نتحدث باستمرار عن وحدات حماية الشعب وحزب الاتحاد الديمقراطي، لكن أصبح هناك الآن جيش كبير للولايات المتحدة يمتلك عشر قواعد ومطارين عسكريين. علينا أن ننظر للأمر من هذه الزاوية.

ومهما قال القائلون، فإن هذا الجيش على طول الحدود يشكل تهديدًا لتركيا، وهذا أمر مفروغ منه.

كما أنه يضع من الشمال تحت مراقبته نظام دمشق والمصالح الروسية في سوريا.

تدرك البنتاغون أن بدءها القتال في سوريا سيُعتبر أمرًا مشروعًا من جانب المجتمع الدولي، وإن جاء ذلك على مضض.

النقطة المهمة بالنسبة لنا هي إدلب

فنحن هناك الآن.

علينا أن لا نتراخى لأن داعش انتهى، وأن نكون على حذر شديد في هذه الأوقات.

هاشمت بابا أوغلو

عن الوقت والتراب

في عام 2000، اتخذت الحكومة السودانية قرارا عجيبا تحت مسمى البكور، صار بمقتضاه الفارق الزمني بين التوقيت السوداني وتوقيت غرينتش ساعتين، بدلا من ثلاث ساعات كما يقتضي حساب الزمن، بحسب موقع أي بلد في ضوء أقرب خط طول الذي تقع عليه.

وبذلك، أصبح التوقيت في الخرطوم هو توقيت موسكو ذاته، ثم -وبعد سبعة عشر عام حسوما- لحست الحكومة ذلك القرار، واعتبارا من يوم الأربعاء الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر عاد السودان إلى منظومة التوقيت العالمي.

كان ذلك القرار العابث بتوصية من فرد “واحد”، يغلب الظن أنه كان يريد للسودان أن يكون “مميزا”، ولا يخضع لتوقيت دولة استكبارية هي بريطانيا، وقبلها كان وزير التربية السوداني، وكان شخصا لا صلة له بشؤون التربية والتعليم، قد اكتشف أن اللغة الإنجليزية هي لغة الاستعمار.

فقلص حصتها في المناهج، وطرد المعلمين البريطانيين الذين كانوا يعملون في المدارس السودانية، وتقرر تبعا لذلك جعل اللغة العربية لغة التدريس لكل المواد في الجامعات السودانية، دون أن يسبق ذلك أي قدر من التعريب لتلك المناهج.

لم تقدم الحكومة السودانية أي تبرير عقلاني ومنطقي لـ”تقديم” التوقيت ساعة كاملة، ولم تكلف نفسها عناء تقديم تبرير لتراجعها عن تلك الخطوة.

ومنشأ ذلك في تقديري هو أنها “واقعية” ولا تقيم وزنا لـ”الزمن/ الوقت”، بتأثير الجينات العربية في أقطابها ورموزها الكبار (سئلت أكثر من مرة، عن سبب التفشي الوبائي للطرف والنكات عن كسل السودانيين، فكانت إجابتي أن السودانيين أصيبوا بمتلازمة الكسل، بعد انضمام بلادهم للجامعة العربية، التي هي أكثر المنظمات الإقليمية خمولا وهمودا وركودا، حتى اكتسبت مناعة ضد التطور وحصانة ضد النشاط).

وربما يذكر بعضنا، كيف أنه عندما رأت الحكومات العربية أن الرفق بالإنسان يستوجب منحه عطلة أسبوعية مدتها يومان متتاليان، قررت معظمها أن تكون تلك العطلة يومي الخميس والجمعة، ولما طالب أهل الاقتصاد والمال والأعمال بأن تكون العطلة يومي الجمعة والسبت، صاحت تلك الحكومات: السبت؟ عطلة اليهود؟ ونحن في حالة حرب مع إسرائيل؟

وبعد مضي سنوات عدة على تجاهل ذلك المطلب، اقتنع الحكام بأن جعل السبت عطلة لن يؤخر تحرير فلسطين، بعد أن قال لهم بعض خلصائهم أن تعطيل العمل يومي الخميس والجمعة، يعني تعطيل التواصل مع الأسواق والبنوك الغربية طوال ذينك اليومين، “وإذا أضفنا إليها ساعات التواصل المفقودة بسبب فوارق التوقيت، تكون أسواقنا ومصارفنا عاجزة عن مثل ذلك التواصل لنحو أربعة أيام”.

وكعب أخيل تلك الشريحة من الحكام، هو “البنوك الغربية”، حيث ينسج العنكبوت على حساباتهم السرية والمعلنة، فكان أن ألحقوا السبت بالجمعة، وربما قالوا في سرهم ما قاله فلاديمير لينين “من يسقط خطوة يسقط عموديا” عمن تراجعوا عن “ثوابت” الماركسية، وهكذا يبررون مغازلة إسرائيل التي هم في حالة حرب معها بحسب أرشيف الجامعة العربية، بمعنى أنهم اعتبروا جعل يوم السبت عطلة عربون مودة لإسرائيل.

غياب الوعي بقيمة الوقت، داء معد كجلمود الصخر ينزل من علٍ، ولأننا شعوب مبرمجة على الطاعة العمياء، و”إلا ….”!!

فنحن على دين ملوكنا، بالمعنى الحرفي للعبارة، ولأننا شهدنا كذا خطة تنمية خمسية تتحول إلى خمسينية، ونرى زعماءنا يقومون بزيارات مفاجئة إلى هذه الدولة الشقيقة أو تلك، فإننا نأخذ عنهم عدم إعطاء أي قيمة للوقت، ولا نرى بأسا في تأجيل عمل اليوم إلى الأبد، ونعمل بمقولة “باكر يحلها ألف حلّال”، وبهذا صرنا لا نعرف الفرق بين التوكل والتواكل

عندما يرى المواطن العربي مشروعا كان ينبغي أن يكون قد دخل حيز التشغيل في عام 2015، قد دخل في رؤية عام 2050، وعندما يزور الزعيم المفدى دولة جارة بدون سابق ترتيب، فإنه يعرف أن الزعماء الأشقاء “همهم فاضي وبالهم رائق ع الآخر”.

فالواحد منهم لا يمكن أن يزور فرنسا أو البرازيل أو كندا، إلا بعد أن يكون الإعلان عن الزيارة قد تم قبل أشهر من الموعد المحدد لها، بينما زيارة الأشقاء تتم بـ”ألو فخامتك أنا جاي عليكم بعد كم ساعة، قلت اشرب معكم فنجان قهوة، ونتفاكر حول المواضيع إياها” فيأتيه الرد: يا هلا ومرحبا. أعطيني ألو بعد تصل المطار”.

ولهذا، فإن الأخبار اليومية عن نشاط القادة العرب تكون في معظمها “أجرى/ تلقى اتصالا هاتفيا من أخيه…”، ويجب أن تتصدر تلك المكالمات الصفحات الأولى للصحف، باعتبار أنها نشاط في مجال السياسة الخارجية.

وسكب الكتاب الصحفيون حبرا بالطن المتري، وهم يعيبون على شعوبنا استخدام معايير عجيبة: الاجتماع بعد صلاة العصر، ونتريث ونصدر القرار بعد العيد، ونتقابل بعد صلاة العشاء (والساعة الرابعة فجرا تأتي بعد صلاة العشاء).

ولكن، وطلبا للسلامة، لا يجسر معظم أولئك الكتاب -وأنا منهم- على القول للزعيم المعني، إنه عدم احترامه للوقت والزمن دليل على عدم احترامه للشعب.

والشاهد أن الوقت عندنا من تراب، والتراب في ثقافتنا أرخص شيء، والسلعة زهيدة الثمن يقال عنها إنها بتراب الفلوس.

وبعد هذا كله فنحن فداء تراب الوطن، ولا تسأل لماذا نحن فداء شيء ذي قيمة متدنية.

والحديث عن الاستعداد لفداء تراب الوطن في غياب حقوق المواطنة لا يختلف كثيرا عن الهتاف الأجوف، الذي فبركه كورال تمجيد القيادات الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي: بالدم بالروح نفديك يا “دحدوح”.
“عربي21”

جعفر عباس#

مصالحة صفقة القرن أم مصالحة الذات؟

الانقسام الفلسطيني الذي سبّبه صراع حركتي فتح وحماس على السلطة، واستمرت الحركتان فيه أزيد من عشر سنوات، فتكرّس سياسياً وجغرافياً، وذلك بانفراد “فتح” بالضفة الغربية و”حماس” بقطاع غزة. وبذلك يصير إنهاء هذا الانقسام مرهونا بتوصل الحركتين إلى اتفاقٍ على دور كل منهما في السلطة التي يتصارعان عليها، بالإضافة إلى حل القضايا التي تولدت عنه في السنوات العشر الماضية.
يبيّن الحوار الذي جرى بين الحركتين في القاهرة، وبمشاركة المخابرات العامة المصرية، وأعلنت نتائجه في 12 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، السياق الذي توصلت فيه الحركتان إلى المصالحة وإنهاء الانقسام. وقد جاء في بيان مشترك أنهما “اتفقتا على تمكين حكومة الوفاق الوطني من ممارسة مهامها، والقيام بمسؤوليتها الكاملة في إدارة شؤون قطاع غزة… بحد أقصى الأول من ديسمبر/كانون الأول 2017”. بالتالي، فإن التعاطي مع المصالحة بين “حماس” و”فتح” يكون في السياق الذي يبينه البيان الختامي، للوقوف على نتائجها، وما سيترتب عنها على صعيد القضية الفلسطينية، والمشروع الوطني الفلسطيني الذي تجمع عليه فصائل منظمة التحرير.
تَركز معظم اهتمام المهتمين بالشأن العام الفلسطيني على دوافع هذه المصالحة لطرفيها، وماذا قدّم كل منهما للوصول إليها، من الذي تنازل للآخر، وعن ماذا، ومن الرابح أو المنتصر؟
“ما تسعى إليه الإدارة الأميركية أن تكون السلطة الفلسطينية موحدة وقادرة على تنفيذ الصفقة” خارج هذا السياق، وبعيداً عن ارتياح الشارع الفلسطيني، ودعمه المصالحة، وفي اتجاه آخر، فإن هذه المصالحة، نجحت أو فشلت، ستنقل القضية الفلسطينية إلى مرحلة جديدة، قد تكون في إطار ما تحضّر له الإدارة الأميركية لإحياء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، للأسباب التالية:
أولا، أظهرت سنوات الانقسام العشر لكل من إسرائيل والإدارة الأميركية أن القوى الفاعلة فلسطينياً هما طرفا الانقسام؛ حركتا فتح وحماس، وأنه ليس بمقدور أي منهما إخضاع الأخرى لها أو استيعابها، أما بقية الفصائل فدورها محدود وغير مؤثر. بالتالي، فإن إنجاح ما باتت تعرف بصفقة القرن، وتهيئ لها الإدارة الأميركية مع دول عربية، يتطلب جمع الحركتين، والتوافق بينهما، على المرحلة المقبلة ومتطلباتها، وعدم تكرار الحالة التي أعقبت اتفاق أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية، عندما كانت “حماس” المعارض الفاعل والقوي ونجحت في ذلك، سواء بعملياتها العسكرية أو عندما دخلت السلطة وشاركت في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، وحصلت على الأكثرية فيه التي مكّنتها من استلام رئاسته ورئاسة الحكومة. لهذا، تعمل الإدارة الأميركية من أجل أن يكون الطرف الفلسطيني مؤهلاً للقيام بالدور الذي سيطلب منه لإنجاح صفقة القرن التي ستطرحها لإحياء المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، والمصالحة التي تمت بين حركتي فتح وحماس قد لا تكون بعيدة عن ذلك.
ثانيا، الدور المميز، هذه المرة، للطرف المصري لإنهاء الانقسام الفلسطيني أوكل لإدارة المخابرات العامة، فتحركّت هذه لجمع طرفيه، “فتح” و”حماس”، بعد أن حلت العقد التي تعترض ذلك. وأن يكون دور سلطة رام الله السياسي متوافقا مع ما هو مطلوب منها إسرائيليا وأميركياً، فإن حركة حماس هي الطرف المطلوب تكيفه مع الصفقة الأميركية التي يحضّر لها. لهذا كانت أولاً الاجتماعات التي جرت بين قيادة حركة حماس ومسؤولي إدارة المخابرات العامة المصرية في القاهرة في الشهر الماضي، ونجحت الأخيرة في الوصول إلى ما تريده من “حماس”. ومن المهم الانتباه إلى أن ما قدمته الأخيرة لإنجاح المصالحة، ما يُطلق عليها بعضهم تنازلات، قدمتها للطرف المصري، وتفاهماتها حولها معه، وليس مع سلطة رام الله أو مع حركة فتح. بالتالي، الطرف المصري هو المقرّر في هذه المصالحة، وليس أياً من “حماس” و”فتح”، وما يقوم به على هذا الصعيد يلقى دعماً من الإدارة الأميركية، إن لم نقل بطلب منها.
ثالثا، ما ركّزت عليه المخابرات المصرية، وأعطته الأولوية هو التوافق بين الحركتين بشأن
“تعمل الإدارة الأميركية من أجل أن يكون الطرف الفلسطيني مؤهلاً للقيام بالدور الذي سيطلب منه لإنجاح صفقة القرن” السلطة وإنهاء الانقسام الجغرافي، ببسط سلطة رام الله على قطاع غزة، كونها السلطة المعترف بها إسرائيليا، ومؤهلة للقيام بالدور الموكل لها بموجب الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، خصوصا على صعيد الجانب الأمني. فما تسعى إليه الإدارة الأميركية هو أن تكون السلطة الفلسطينية موحدة وقادرة على تنفيذ الصفقة التي ستتقدم بها، ومؤهلة للدور المطلوب منها، والمصالحة بين “حماس” و”فتح” بناء على دور المخابرات المصرية، قد تندرج في هذا السياق.
لهذه الأسباب مجتمعة؛ تسير المصالحة الفلسطينية بخطوات مدروسة وثابتة، ابتداء من التحضير لها، وإن لم تكن إدارة المخابرات المصرية راعية لها بمقدار ما هي صاحبتها والمقرّر لها. ولهذا، إسرائيل تراقب وتتابع من دون أن تعرقل، وتطرح ما تريده منها، والإدارة الأميركية تثني وتؤيد. ونحن ننتظر ونراقب، لمعرفة ما إذا كانت تندرج في السياق المشار إليه، وهو أن تكون خطوة مطلوبة إسرائيلياً وأميركياً للبدء في مفاوضات فلسطينية- إسرائيلية في إطار صفقة القرن الأميركية لإنهاء الصراع، أم هي في سياق إعادة بناء الذات، بناء على رؤية وطنية تجمع الكل الفلسطيني، لمواجهة التحديات الجديدة، بعد أن اتضحت التسوية التي تعمل إسرائيل على الوصول إليها مع الفلسطينيين. نأمل ذلك ونتطلع إليه، على الرغم من أن المعطيات تجعلنا نستبعده، لكن في السياسة كل شيء وارد، والمفاجآت محتملة.

رجا ديب

رفعت وطلاس.. البداية والنهاية!

ذات يوم كان مصطفى طلاس ورفعت الأسد شابّين مناضلين، ثم ضابطين مناضلين، في «حزب البعث العربي الاشتراكي» في سوريا. وبالطبع كان معهما ثالث هو حافظ الأسد، شقيق رفعت الأكبر والصديق الحميم لمصطفى.

رفعت ومصطفى، وكذلك حافظ، كانوا يؤمنون بشعارات كالوحدة العربية والاشتراكية والعلمانية وتحرير فلسطين. وأغلب الظن أنهم يومذاك كانوا شباناً مندفعين وصادقين في ما يؤمنون به.

معاً شاركوا في عدد من الانقلابات العسكرية التي ظنوا أنها الطريق إلى تحقيق تلك الأهداف. معاً، ومع آخرين، نفذوا انقلاب 8 مارس (آذار) 1963 الذي أوصل حزبهم، حزب «البعث»، إلى السلطة. ومعاً قمعوا المحاولات الانقلابية المتكررة التي أرادت إطاحة «البعث» أو أراد «البعث» التخلص من شراكة أصحابها في السلطة. ومعاً انقلبوا في 23 فبراير 1966 ضد القيادة التقليدية لحزب «البعث» من أجل أن تستولي على الدولة رموزه العسكرية والجذرية. ومعاً عادوا وانقلبوا في 16 نوفمبر 1970 لكي يضعوا السلطة كلّها في يد حافظ الأسد وحده.

بعد ذاك تحول مصطفى طلاس ورفعت الأسد إلى حماية السلطة الجديدة، كلٌ منهما يحميها بطريقته. ولكن عصر البراءة الإيديولوجية والحزبية كان قد انتهى في 1970، حين باتا معنيين بالسلطة للسلطة، مع ما يرافق ذلك بالضرورة من مراكمة للثروة.

مصطفى طلاس، السُّني في نظام معظم رموزه علويون، عرف أن لطموحه حداً. أرضاه أن يصير وزيراً للدفاع، على طريقة الوزراء- الواجهة، وأن يتفرغ لأمور أخرى: الثراء ومصادقة الأثرياء وتأسيس الحظوة العائلية، فضلاً عن اهتمامات «ثقافية» تمتد من الورد والعطر إلى جورجينا رزق وملكات الجمال. لقد كان طلاس التعبير البليغ عن عطالة النظام ورثاثته.

رفعت الأسد كان شيئاً آخر. فهو، كعلويّ، عرف أن في وسعه المطالبة بحصة أكبر، والطموح لنيلها. غرف عناصره والمتحمسين له من طائفة المرشديّين، أكثر جماعات العلويين تشدداً، وأشرف على مذبحة مدينة حماة في 1982. بعد ذاك، حين مرض أخوه الأكبر حافظ، وجد أنه هو الأكثر استحقاقاً للسلطة والوراثة. طموحه هذا جعل العلاقة تنتهي على نحو سيّئ، إذ وُضع البلد على شفا مواجهة عسكرية مفتوحة. بعد ذاك رُفّع رفعت إلى «نائب لرئيس الجمهورية»، ولكنه عملياً أُبعد من السلطة ومن البلد ناقلاً معه الثروة التي جناها من عرق جبين الآخرين. وما بين فرنسا وإسبانيا خاض رفعت وأبناؤه في مشاريع كثيرة اختلط فيها البيزنس بالسياسة، والتجارة بالمافيا.

لقد كانت تكلفة مصطفى طلاس على السلطة تكلفة زهيدة، أما رفعت فكانت تكلفته عليها باهظة جداً. إنه لم يطالب بالوراثة فحسب، بل طالب أيضاً، ولو ضمناً، بتخلي النظام عن واجهته الإيديولوجية «البعثية» واعتماد الفجور الطائفي الصريح إيديولوجيةً له.

لقد نسي مصطفى ماضي البراءة واكتفى بهذا الحدّ، مكرّساً نفسه لمستقبل شخصي لا يذكّر به بتاتاً. أما رفعت فتذكّر جيداً زمن البراءة وأراد أن يكون صريحاً جداً في الانقلاب عليه وفي تكريس ذاك الانقلاب بديلاً لمستقبل الجميع.

لهذا رأينا مصطفى طلاس، في 2000، يلعب طائعاً دور عرّاب التوريث من حافظ إلى نجله بشار، فيما رأينا رفعت يلعب دور المعارض للنجل، بل المنافس له، على شرعية مزعومة، طائفية وعائلية.

والاثنان، على أي حال، يختصران سيرة الحزبية والعقائد وهشاشتها في بلدان كبلداننا لا تزال تتحكم بها عصبيات القرابة والطائفة التي لا تلبث أن تتحول، على أرض الواقع، عصبية مافياوية.

لقد قضى مصطفى طلاس قبل أشهر قليلة وقبل أيام قليلة تردّد خبر قد يكون إشاعة عن وفاة رفعت الأسد. وهذا الخبر- الإشاعة جدّد تركيز الضوء عليه. والاثنان لن يؤسف على رحيلهما، بعيداً عن بلدهما الذي لم يعد يعني لهما، أقله منذ 1970، سوى كونه مصدراً للجاه والثروة. الشيء الوحيد الذي يؤسف عليه أن الموت في حالتهما لم تسبقه محاكمة عادلة. هذا بعض ما يحزن في وضع سوريا اليوم.

المصدر:الإتحاد

لماذا فرض على تركيا دخول الأراضي السورية

رفضت تركيا التدخل في سوريا منذ بدء الحرب في سوريا، مفضلة بدلا من ذلك العمل من زوايا دبلوماسية أو دعم وكلاء لها على الأرض. لكن بعض القوى غير المرئية ما تزال تدفعها إلى التدخل هناك، مثلما فعلت تماما على مدى قرون قبل أن تنشأ تركيا، وحتى في وقت الصراع بين البيزنطيين والعثمانيين. ويبدو أن الأتراك لم يعد بإمكانهم أن يقاوموا، ذلك أن أمنهم يتطلب نهجا أكثر مباشرة.

المناطق الآمنة وفراغ السلطة

بدأت القوات التركية تحتشد على الحدود الجنوبية الغربية مع سوريا الأسبوع الماضي. وقد أرسلت ما يصل إلى 80 مركبة عسكرية، تضم عددا غير معروف من الدبابات وشاحنات المساعدات الطبية، إلى ولاية هاتاي التي تبعد حوالى 30 ميلا عن الحدود. وذُكر أن قافلة أخرى تتكون من عدد غير محدد من المركبات العسكرية أرسلت إلى منطقة أخرى في هاتاي، على بعد ميلين فقط من الحدود السورية، كما شوهدت مجموعة ثالثة من 20 مركبة عسكرية بالقرب من الحدود عند معبر باب الهوى في سوريا، على بعد حوالي 7 أميال من الريحانية.

قد تبدو هذه التحركات عديمة الضرر في حد ذاتها، فمن الطبيعي لتركيا أن تنقل الجنود والعتاد حول حدودها اعتمادا على المكان الذي تعتقد أن التهديدات قد تظهر فيه. ولكن السياق هو كل شيء، وسياق عمليات الانتشار تلك ليس اعتياديا. في 15 سبتمبر/ أيلول، وافقت تركيا وإيران وروسيا في أستانا على إنشاء منطقة آمنة في محافظة إدلب السورية، إلى الغرب من حلب. وذكرت الأنباء أن الدول الثلاث اتفقت على تقسيم المحافظة إلى ثلاث مناطق. وفي اليوم نفسه، أفادت صحيفة تركية مقربة من الحكومة أن 25 ألف جندي تركي يستعدون للانتشار في محافظة إدلب، بهدف السيطرة على منطقة تبلغ مساحتها نحو ألفي ميل (5 آلاف كيلومتر مربع) يعيش فيها أكثر من مليوني نسمة.

حتى الآن، اختارت تركيا البقاء بعيدا عن المعركة في سوريا بقدر ما تستطيع. وكان الاستثناء الرئيس هو عملية درع الفرات التي استمرت من أغسطس/ آب 2016 إلى مارس/ آذار 2017. بيد أن نطاق هذا التوغل لم يكن كبيرا كما ذكرت وسائل الإعلام التركية، حيث إن درع الفرات كانت عملية محدودة دامت سبعة أشهر شارك فيها حوالي 8 آلاف جندي تركي، كان هدفهم الرئيس دعم عمليات الجيش السوري الحر لطرد مقاتلي تنظيم الدولة (داعش) بعيدا الحدود التركية. (كان الهدف من ذلك هو إضعاف وحدات حماية الشعب الكردية، ولكن العملية لم تنتزع منها أي إقليم).

الوضع في شمال غرب سوريا أكثر تعقيدا، حيث يسيطر الأكراد السوريون على مدينة عفرين، وهو ما يغضب تركيا كثيرا، وتسيطر هيئة تحرير الشام (تنظيم القاعدة أو جبهة النصرة سابقا) على مدينة إدلب التي استولت عليها مؤخرا من أحرار الشام المدعومة من تركيا، كما استولت على مناطق على الحدود التركية. تراجعت قوات المعارضين للأسد إلى بلدات إدلب بعد أن خسرت معركة حلب، ولم يتخل نظام الأسد عن طموحاته لاستعادة الأراضي.

إن وجود كثير من المجموعات المختلفة يعني أن هناك أيضا كثيرا من القوى الخارجية التي لها مصلحة فيما يحدث في شمال غرب سوريا: تدعم تركيا المتمردين المناهضين للأسد المحاصرين في محافظة إدلب، ولكن خطوط إمدادها ضعيفة في أحسن الظروف، بينما تدعم كل من روسيا وإيران نظام الأسد. وعلى الرغم من أن تركيا قد توصلت إلى تفاهم مع البلدين في هذه المسألة، فإن مصالح هذه الدول الثلاث في سوريا على المدى الطويل تختلف اختلافا كبيرا. لا ترغب تركيا في رؤية قوة مؤيدة لروسيا أو مؤيدة لإيران في المنطقة يمكن أن تهدد جنوب تركيا. ويشكل الأكراد السوريون مشاكل واضحة لتركيا، أما هيئة التحرير الشام، فعلى الرغم من أنها تراجعت عمدا في حين يركز العالم على داعش، فإن لديها خططا طويلة الأجل في العالم الإسلامي لا تتماشى مع تركيا.

هذا الوضع غير المستقر يتجه نحو فراغ السلطة، وإذا لم تملأ تركيا الفراغ، فإن آخرين سيقومون بذلك، ولا يعد أي من هذه الخيارات المحتملة خيارا جيدا لتركيا.

تركيا الكبرى

هذه المشكلة ليست مشكلة حديثة، فقد واجهت القوى السابقة في البوسفور التهديد من الجنوب، حيث بسط العثمانيون، والبيزنطيون من قبلهم، في مراحل مختلفة من تاريخهم، سيطرتهم على أجزاء من سوريا الحالية. حاولت الدولة العثمانية، في الواقع، الإبقاء على بعض ما أصبح جزءا من سورية الحالية داخل أراضيها. وكان من بين آخر أعمال البرلمان العثماني في عام 1920 تمرير الميثاق الوطني الذي كان من المفترض أن يحدد حدود تركيا المستقبلية. لم يحصل العثمانيون على ما أرادوا، إذ تركت الجمهورية التركية الجديدة أصغر مما كان العثمانيون يخططون له، وكانت إحدى المناطق الرئيسية التي فقدت فيها الجمهورية التركية أراضيها هي منطقة شمال غرب سوريا. وليس من قبيل الصدفة أن كثيرا من وسائل الإعلام التركية، وحتى الرئيس رجب طيب أردوغان نفسه، أشاروا إلى “الميثاق الوطني” في السنوات الأخيرة.

من بين الأشياء الجديرة بالملاحظة في خريطة الميثاق الوطني الميزة الجغرافية التي تعطيها السيطرة على شمال غرب سوريا لتركيا. ووفقا للاتفاق الجديد مع روسيا وإيران فإن المنطقة التي تمت الموافقة على دخول تركيا إليها تشمل الأراضي الجبلية التي تسمح لتركيا بالسيطرة على الأراضي المرتفعة لرصد أي عدو يسعى إلى عبور الحدود. وفي الوقت نفسه تعد إدلب مهمة؛ لأنها تقع بالقرب من الممر الصغير بين جبال العلويين، والأراضي التي يسيطر عليها نظام الأسد، والسهول التي يهيمن عليها العرب السنة. وإن سيطرت تركيا على إدلب، فإنها تستطيع أن تتحكم في هذا الممر، فضلا عن السيطرة على الطريق السريع 60 الرابط بين حلب وإدلب، الذي يمكنها استخدامه لدعم وكلائها في الجوار. ومن شأن سيطرة تركيا على هذا الوادي في الجانب السوري أن يمكنها من الدفاع بسهولة عن الشريط الساحلي الجنوبي على الحدود الغربية لسوريا، كما أنه سيضع تركيا في وضع أفضل بكثير في المعارك القادمة على مستقبل سوريا.

تركيا لديها مصلحة في السيطرة على هذه الأراضي منذ انتزاعها من العثمانيين في عام 1923، وكانت تحتاج إلى القدرة والفرصة لتغيير الوضع، وقد صار كلاهما بيدها الآن. وكان هذا أمرا حتميا عندما أصبح من الواضح في عام 2011 أن الجمهورية السورية تتفسخ. لقد استمر القتال لبعض الوقت، وأضعفت الأطراف المعنية بعضها بعضا بحيث أتاحت لتركيا فرصة ومخاطر: فرصة لاستعادة نفوذها القديم في تلك المنطقة، وفي الأراضي التي يمكن أن تستخدمها منطقة عازلة ضد الأعداء المحتملين من الجنوب والشرق، ولكن الخطر هو أنه إذا لم تتحرك تركيا، فإن مثل هذا العدو سيظهر وسيسعى إلى تهديد حدودها الحالية.

لن يفعل الوكلاء شيئا لأمن تركيا الذي أصبح على المحك على المدى الطويل، بيد أنها تمتلك قدرات كافية للمهمة. ولذلك فعلى الرغم من رغبة الحكومة في أنقرة بعدم التدخل في سوريا، فإن تركيا تُسحب إلى هناك. وهذه ليست المرة الأولى، ولن تكون المرة الأخيرة. وهو تذكير بقوة تركيا، وكيف أن جغرافيتها تجعلها تحوز القيادة الإقليمية والمصداقية. إن جغرافية تركيا تذكر أيضا بضعفها، وكيف أنها لا تملك حقا خيارا في هذا الشأن. شمال غرب سوريا في انتظار من يسيطر عليه وتركيا لديها مقعد على الطاولة لاتخاذ القرار، ليس لأنها تريد ذلك، ولكن لأن عدم التدخل ليس خيارا.

المصدر:ترك برس