“الحروب العربية” ضد العرب

تطول الحروب العربية­ العربية، على حدود البلدان، أو داخلها، من دون أن تعني قضية وجود، بل بدون أن تعني أن المتحاربين يملكون القوة التي تضخ الدماء في ناعورة المواجهة.
العرب، حروبهم قويةٌ بضعفهم. ولا تعني المدة المتزايدة أن الحرب ستحل أياً من معضلات الشعوب التي تنْبُت بين جدرانها مقابر جديدة. ذلك أن الحرب تنازلت عن تقادمها الذي أمضته في البحث عن نصرٍ مع عدو واضح، يحتل قلب الخارطة العربية الإسلامية، وقلب وجدانها منذ سبعة عقود تقريباً، لفائدة عدو محلي، داخلي ملتبس للغاية، ضائع الملامح بين حسابات الاستراتيجية الإقليمية والدولية، وبين الطوائف، تكتشفه في كل دورةِ تفككٍ بأسماء جديدة.
نسينا المفهوم الصحيح للحرب، ضد عدو يحتل الأرض، وضِعْنا في تمارين خاطئة للأمل في نصرٍ على الإخوة الأعداء. وكل نصر هو هزيمة مؤجلة، وحرب أخرى ترقد في رماد العقائد الملتهبة، والوطنيات المسوّسة. وحتى في المناطق التي يكون فيها السلام بارداً، عادة ما يكون بفعل اتفاقيات تخص إطلاق النار، كما في شمال أفريقيا أو على الحدود اللبنانية. وفي أحسن الدول التي تعيش طمأنينة حذرة، لا خيار سوى الحرب الباردة أو السلام المسلح.
لا تملك الحرب الجديدة ما يكفي من أناقة العبث التي تفضي بأصحابها الى موائد التفاوض. ولا تملك أيضاً أناقة الجدوى التي تطرح بند النتيجة على ثقافة الجنود الجدد. كل ما تملكه الحبر الجديد، ومتسع من الخيال القاتل الذي برّر حرباً أخرى.
خرج العرب من مرحلة العجز التام في خوض حربٍ واحدة مشرّفة إلى مرحلةٍ أبانوا فيها عن قدرتهم على التعدّد، كما في سرير الغائبات. مرحلة يغادرها البلد العاجز عن ضرب تل أبيب بحجر، إلى متسعٍ من النار يمكن أن يفتح فيه جبهات عديدة، ضد الدولة الجارة، ضد الشعب وضد فصائل المعارضة.

دفعة واحدة تتخَرَّج الشعوب من مدارس الحروب العبثية. الشعوب نفسها التي ظلت تنتظر، وتناشد قادتها المعركة، فكانت مخططات السلام تنهمر عليها باستمرار، باعتبارها درجةً عاليةً من العقلانية لقبول السلام الملغوم مع العدو عوض حرب الخراب. هي الشعوب التي تناشد اليوم قادتها من أجل سلامٍ داخلي، فتصبح الحرب، هذه المرة، الحتمية السياسية الوحيدة للخراب.

نجح العرب في أطول حربٍ ممكنةٍ خاضوها منذ استقلالاتهم الوطنية، ولا شرط لهم في ذلك سوى أن تكون الحرب الخاطئة. بهذه الجبهات الداخلية المشتعلة، لا يملك الفلسطيني أي حلم في أن ثورته سيكون لها إخوة. لم يعد يوهم نفسه بأن الأولويات سوف تتحدّد على معيار القدس، أو بناءٍ على حدود الدولة الممكنة، قادته الحروب إلى جبهاتٍ لم يجرّب فيها إطلاق آماله نحو الأرض المقدسة.
فلا أحد من شعوب المتوسط وشرقه يمنحه سلامه، لكي يخوض حربه الضرورية، بعد أن أصبحت الشعوب أنقاض الحروب الداعرة. ومن شدة الأهوال التي تنزل على العواصم العربية، ومن شدّة المخططات التي تنبت مثل الدوالي في قاعات القرار الدولي، أصبحت نار الثورة داخل الكيان، في حدود غزة أو في حدود الخليل، تبدو كمدفأة للثورة، تحلم بالقرب منها وسط الشتاء العربي الطويل الذي خرج للتو من ربيع العرب المشروع. ولم تنجح أية محاولة، فصل الأرض الفلسطينية عن شقيقتها الأرض العربية، كما تنجح فصول الصراع الحالي. لا حرب تجعل الأرض قريبة، ولا حرب ترفع أبناءها في شرق المتوسط وغربه إلى درجة “الشعوب”.
الحرب الحالية حوّلت الشعوب إلى أقل من دولة.. وأقل من نظام.. وأقل من جيش نظامي.. وأقل من جنود.. والعدو الإسرائيلي لم يعد عدواً ولا حتى شريك سلام مسلح، هو الآن احتمال جيد، لكي تبقى هذه الدول في خارطة العصر. هو الذي يعطيها الدليل على أنها مثله تعود إلى حروبها القديمة، وأساطيرها المؤسسة، لكي تستمر، وهو بذلك يقدم الدليل على أنه واهب الحداثة الممكنة لمنطقةٍ لم تخرج بعد من الصحراء. لهذه الشعوب التي كانت تحاربه قديماً، فقط، لكي تلهي عقيدتها الانتحارية بعدوٍّ جاءت به الحروب الكبرى للبشرية إلى منطقة منزوعة “السلام” أصلاً، إلى حين تستيقط الغريزة القاتلة، غريزة هابيل وقابيل الأصلية.
يقيم العدو معادلته الجديدة كالتالي: هاته الدول، كلما وجدت فرصة لالتهام نفسها تركتني وحيداً مع السلام، وأتفرغ لأرسم للغرب وجهه في واحة الصحراء الوحيدة التي أحرسها من برابرتها المتجدّدين.
بعد هذه الحرب، سيلزمنا، ولا شك، سلامٌ طويلٌ ومستحيلٌ أيضاً، لكي نقنع العالم بأننا لسنا كما يريدنا أعداؤنا.
وهم يقدّمونها على أساس أنها حربٌ ضد البشرية المتحضرة، وليست حروباً عربية ضد العرب، كما هي في حقيقة الواقع، وفي مُصنَّف الخراب. هذه الحروب تحوّل، تدريجياً، القادم من هجرة الدول الغربية، أي القادم لاحتلال فلسطين، مواطناً شرقياً دائماً، وتُحوِّل شعوب القاطنين، سكان الماء والهواء والتراب الأصليين، مهاجرين في ضواحي العواصم الأوروبية، وأوطانهم خياماً جديدة في برد أوروبا القارس.

عبد الحميد اجماهيري

“العربي الجديد”

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق