حين تُرِك أردوغان يقاتل وحده

اشترك رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، مع رئيس هيئة الأركان الأسبق فريق أول “إلكار باشبوغ”، في تقييم المرحلة السابقة، حيث قالا: “أردوغان تُرك وحيدا”.

وكاتب هذه الأسطر كان دائما يستغرب طريقة تعامل السياسيين مع تلك المرحلة، فمنهم من قدّم دعما إعلاميا مفتوحا للذراع السياسي التابع لحزب العمال الكردستاني قبيل انتخابات 7 حزيران 2015، وتهاون البعض الآخر مع تشكيلات منظمة غولن داخل أجهزة الدولة، وعدم اكتراث آخرين بوصول عصابة تابعة للمنظمة داخل مستوى قيادة الجيش، وموقف المعارضة من “التنظيم الموازي”، هم الذين كانوا يتهمون العدالة والتنمية بأنه “يُحاول إيجاد عدوّ له”.

في تلك الفترة كنا نُصرّ ونلحّ ونتحدث طويلا، بأن حزب العمال الكردستاني هو الأداة المسلحة للإمبريالية الأمريكية التي تريد السيطرة على دولتنا، وكذلك منظمة فتح الله غولن مرتبطة بنفس “العقل المدبّر”، من أجل محاصرة الدولة واحتلالها من الداخل.

ولذلك تعرّضنا لهجمة من قبل البعض، الذي طلب من العمّال الكردستاني عدم ترك السلاح أبدا، والبعض الآخر استهزأ وبدأ يقول: “اخبرونا من هو العقل المدبّر حتى نفهم ما يجري”.

تفضلوا الآن، أنتم اليوم وجها لوجه أمام الحقائق، اكتبوا اليوم “لماذا لم نستطع رؤية كل هذه التفاصيل من قبل”، كنتم تعتبرون بأن من حذّر وتكلّم عن خطر منظمة غولن بأنه “موالٍ” للحزب الحاكم، بينما من يسعى لخلط أوراق الشعب كانوا “صحفيين محايدين”، أليس كذلك؟

مهما كتبتم اليوم، ذلك لن يعفيكم من ترككم رجلا واحدا يُقاتل في وجه هجمات الامبريالية على هذه الأرض، بل لم تتركوه لوحده، وإنما استهدفتم الرجل السياسي صاحب “الإجماع الوطني”، وحولتموه إلى “هدف للحقد والكراهية”.

كان الخطر كبيرا، وأجبرتموني حينها على الكتابة، بطريقة لم أكتب بها عن سياسي بمثل هذه الطريقة طيلة حياتي، وهذا ما كتبته قبل عام:

“أردوغان وحده”
أردوغان جاء للحياة السياسية التركية من إحدى “الضواحي”، ولذلك لم يُحبه “الأتراك البيض” إطلاقا، وكان مُستهدفا ويجب إقصاؤه بالنسبة لنظام الوصاية، لكنه مع ذلك تقدّم نحو مركز السياسة، ولو كان هناك “تيار يساري حقيقي” في هذه الدولة، لكفاهم موقف أردوغان في دافوس، من أجل دعمه، لكنهم قاموا بعكس ذلك!

التاريخ سيكتب بأن أردوغان كان وحده، وكان يواجه كل الأزمات لوحده، لكننا لا نستطيع تركه لوحده هذه المرة، لأن القوى الامبريالية تسعى للسيطرة على الدولة من خلال حزب العمال الكردستاني ومنظمة غولن.

ووجود تواؤم بين حراك الجيش والنظام السياسي المدني هو أمرٌ سيريح الشعب، لأن القضاء على أردوغان، يعني انتصار الامبريالية.

(حجم الأكاذيب والمؤامرات التي كانت، أجبرتني على كتابة هذه السطور، التي أصف فيها سياسيا كما لم أفعل طيلة حياتي المهنية الممتدة على مدار 40 عاما، هكذا أجبروني على كتابتها!)

(أحذّر اردوغان، 21-09-2015، ستار)
أنتم لم تفهموا، بل الشعب أدرك ذلك

أتذكر تماما ذلك اليوم الذي كتبت فيه تلك المقالة، وكنت أقول لنفسي “عليّ أن أترك شيئا وأقول كلمة الحق على الأقل، قبل أن تستاء الأمور أكثر”، وما عشناه لاحقا أثبت أن ما كُنت أفكر فيه كان صوابا، والآن أستطيع القول بأنني “قمت بوظيفتي كمثقف تجاه بلدي”.

أكثر شيء مُحزن، هو وجود دور لمثقفين وكتاب ورسّامين، في هذه المؤامرة الكبيرة على تركيا، سواء أكانوا يعلمون ذلك أم لا، لأن أكبر خطر ممكن أن يصيب أي شعب، يبدأ من خيانة مثقفيه!

أثبتت أحداث 15 تموز/يوليو، بأن الشعب، وإرادته القومية، كانوا يدركون تماما، وبما لا يدع مجالا للشك، حجم المؤامرات التي تحيط بهم، ولذلك قدموا ملحمة يفتخر بها كل تركي، وكل مسلم.

لكن في المقابل رأينا خيبة الأمل الكبيرة على الذين دعموا المحاولة الانقلابية، وهل تعتقدون بأن خروج محلل على قناة BBC ليقول بأنه كان يتوجب على الانقلابيين قتل أردوغان، هل تعتقدون تحليله هذا مجرد صُدفة؟ كلا، بل لأنهم يُدركون جيدا من هو المصدر الحقيقي “لقوة ومقاومة وصمود الشعب التركي”.

نحن عُدنا من حافة الهاوية، إذا كنتم تشعرون بشيء من المسؤولية تجاه وطنكم، وتريدون لأحفادكم أن يعيشوا في أجواء من الديمقراطية والحرية والسلام، أرجوكم، وأترجاكم، وأتوسل إليكم، لا تكرروا نفس الأخطاء.

المصدر:صحيفة ستار

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق