موقف بغداد إزاء المدربين الأتراك بالموصل .. رياح تحريض تهب من موسكو

ما زالت قضية استبدال العناصر التركية في منطقة “بعشيقا” العراقية تتفاعل، وذلك عقب استدعاء العراق للسفير التركي في بغداد، وطلب سحب قوات بلاده، بالإضافة إلى تلويح عدد من الكتل البرلمانية العراقية بالاستنجاد بروسيا  لقصف تلك القوات وإبعادها، بزعم اعتدائها على السيادة العراقية.

وكانت تركيا استبدلت قواتها التي تتواجد في منطقة “بعشيقا” القريبة من الموصل، بعد نحو عامين ونصف من تواجدها هناك بشكل رسمي، حيث أرسلت نحو 150 مدربًا عسكريًا، ونحو 25 دبابة إلى معسكر الزليقان الواقع شمالي المنطقة المذكورة.

وأكد المتحدث بإسم حكومة إقليم شمال العراق، سفين دزيي، وصول خبراء عسكريين أتراك، ومستلزمات عسكرية لمدينة الموصل، لتوسعة معسكر مقام في المنطقة لتدريب القوات.

وفي بيان منشور على الموقع الرسمي لحكومة الإقليم، قال دزيي “في إطار مكافحة تنظيم داعش، أقامت تركيا أواخر العام الماضي قاعدتين لتدريب وتأهيل قوات البيشمركة، ودفعت بخبراء ومساعدات عسكرية لهذا الغرض”.

وعلى الرغم من التأكيد التركي، على أنّ الخطوة جاءت بالتنسيق مع الحكومة العراقية، الا أنّ رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أصر على دعوة تركيا إلى سحب قواتها من المحافظة، معتبرًا ذلك بمثالة “الخرق لسيادة العراق”.

وجاء تصريح العبادي في الوقت، الذي ينتشر فيه  عشرات الالاف من عناصر الحرس الثوري الإيراني بالعراق، يتزعمها قائد فيلق “قدس” قاسم سليماني والتي تنتشر في سامراء، وتكريت والأنبار وديالي، حيث سبق وظهر سليماني في عدد من مقاطع الفيدية أثناء وجوده بين عناصره في بلاد الرافدين.

على الجهة المقابلة، كشف محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي أن “قدوم القوات التركية إلى محافظة نينوى شمال العرق “تم بطلب من رئيس الوزراء العراقي خلال لقائه برئيس حكومة تركيا أحمد داود أوغلو، وبعلم رئيس مجلس النواب سليم الجبوري”.

وأكد أنها “بعلم رئيس مجلس النواب، سليم الجبوري الذي تحدث عن موضوع المعسكر مع داود اوغلو، وأن أنقرة أرسلت مدربين لمساعدة القوات العراقية، وإذا كانوا لا يستطيعون مواجهة النفوذ الإيراني وكأنهم لا يعلمون شيئا فهذا شأن آخر”.

وتأتي تلك التصريحات، متوافقة مع تصريح رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، الذي أشار إلى أن بلاده ليست لديها أي أطماع بالعراق، وأنها تهدف إلى تدريب المتطوعين لمواجهة الإرهاب، حيث تدرب بالمعسكر ألفي متطوع وساهموا بتحرير بعض المناطق من داعش، بتنسيق مع وزارة الدفاع العراقية”.

ولفت أوغلو إلى أن الأنشطة كانت مجرد تبديل روتيني، وأنّ اتصالا هاتفيا أجري بين وزارتي دفاع البلدين وأن وزير الدفاع العراقي سيزور تركيا خلال الأيام المقبلة.

التلويح بالعصا الروسية

وفي ظل حالة التجاذب هذه، قال مسؤولان دفاعيان أمريكيان لوكالة رويترز إن “الولايات المتحدة على علم بإرسال تركيا مئات الجنود إلى شمال العراق”، وهو ما يعني أن تركيا كانت قد نسقت مع قوات التحالف الأمريكي قبل نقل عناصرها، في خطوة هدفت إلى مواجهة تنظيم داعش الإرهابي ومساعدة العراق على تخطي هذه العقبة، بيد أن المشهد تغير بشكل مفاجئ ودون سابق إنذار لتنطلق من بغداد صيحات ترفض هذا التحرك.

ففي حين أكد التحالف الكردستاني العراقي على أن القوات التركية التي تحركت في المنطقة متواجدة منذ فترة بعيدة، استدعت وزارة الخارجية العراقية السفير التركي في بغداد فاروق قايماقجي، لتسلمه مذكرة احتجاج على خلفية الزعم بـ”دخول قوات بلاده إلى الأراضي العراقية”.

وادعت الخارجية العراقية، أن “دخول القوات التركية تم دون علم الحكومة المركزية”، وجاء ذلك في ظل حالة من الانقسام الواضح في الموقف العراقي إزاء المدربين الأتراك، حيث أعربت كتل برلمانية  عراقية في الوقت ذاته دعمها لهذه الخطوة، ومن بينها جبهة الحراك الشعبي، والتحالف الكردستاني العراقي، الذي أكد أن “الموضوع سياسي بحت، يراد من خلاله إسكات المنادين بوقف التدخل العسكري الإيراني في العراق”.

وكشفت مصادر عراقية رفيعة المستوى لصحيفة “العربي الجديد” اللندنية، أن رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي كان قد أبلغ من قبل واشنطن أن دخول القوات العراقية جاء بترخيص من رئاسة إقليم كردستان العراق بشكل رسمي، عبر منفذ حاج عمران الدولي”.

ونقلت الصحيفة ذاتها عن الخبير السياسي العراقي محمود القيسي قوله إن “انتفاضة الكتل السياسيّة العراقيّة والمليشيات ضد تركيا، “جاءت تماشيا مع توجه روسيا وإيران”.

وقال إنّ “الكل يعلم بوجود القوات التركيّة في العراق منذ عدّة شهور، وهي دخلت بموافقة الحكومة العراقيّة”، مشيرا إلى أنّ “الكتل والمليشيات العراقيّة لم ترفض ذلك التواجد منذ عدّة شهور، وانتفضت اليوم انتفاضة غير مسبوقة “.

وأشار إلى أنّ “هذه الانتفاضة جاءت تماشيا مع رغبة روسيّا وحليفتها إيران، بسبب توتر العلاقة أخيرا بين موسكو وأنقرة”، مبينا أنّ ذلك “يؤشر إلى انجرار العراقيين خلف مصالح الدول الأخرى وأجنداتها تاركين مصلحة بلدهم والحاجة لتدريب قواته”.

وتأتي تصريحات الخبير السياسي، متزامنة، مع تلويح رئيس لجنة الأمن البرلمانية في العراق حاكم الزامي بتقديم “طلب إلى روسيا للتدخل العسكري في العراق بشكل مباشر ردًا على التدخل التركي”.

ويبدو أن القضية تحولت إلى قضية سياسية تقف من خلفها كل من إيران وروسيا، حيث تسعى إيران بحسب مراقبين عراقيين إلى استغلال المشهد لشرعنة عملها العسكري غير الرسمي بالعراق، بينما تحاول روسيا الدخول على الخط في ظل أزمة العلاقات بين موسكو وأنقرة، حيث كانت القوات التركية قد بدأت العمل على مساعدة قوات البيشمركة الكردية في العراق منذ عامين، بيد أنها لم تصطدم بمثل هذه التصريحات، الا في أعقاب انفضاح  الوجود العسكري الإيراني في سوريا والعراق، واندلاع أزمة العلاقات مع روسيا عقب اسقاط طائرتها المقاتلة التي اخترقت الأجواء التركية قبل أسبوعين.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق