عربي عاجل

الثقافة الأردنية 2017: فك شيفرة الجوائز

ليست من مهامّ الصحافة نهاية كلّ عام تعداد الفعاليات الثقافية في هذا البلد أو ذلك، فمن المؤكّد أن هذه المسؤولية لا تزال تشكّل جزءاً من عمل موظّفي المؤسسة الرسمية على اختلاف مواقعهم في العالم العربي، والأردن منه، وبالطبع ليس معقولاً المبالغة في الانتقاد زمن التفتّت والتراجع؛ سياسة واقتصاداً ومجتمعات.
بات معلوماً للجميع أن معضلة وزارات الثقافة تعكس أزمة الدولة نفسها؛ إذ نعيش تناقضاً لا خروج منه حين يتخلّى الحكم عن معظم مسؤولياته الاجتماعية في التعليم والصحة والرعاية عبر خصخصة مؤسساته، لكنه لا يزال يصرّ على التصرّف كنظام ريعي؛ لا يقدّم نفسه كمنتِج للثقافة لكنه يحتكر رعايتها.

يعلم المبدع الأردني مثل نظرائه في بلدان عربية أخرى، أن عليه التغاضي عن هذه الازدواجية في سبيل نشر كتاب أو دعم عمل مسرحي أو الحصول على منحة تفرّغ إبداعي، وبالضرورة فإن النتاجات الجيدة ستعمّر طويلاً، أو عليه التوجّه إلى التمويل الأجنبي والقليل من “إحسان” القطاع الخاص.


المبدع بين تناقضات السياسة الرسمية و”إحسان” القطاع الخاص

في التفاصيل، لم تأت “عمّان عاصمة الثقافة الإسلامية 2017” بجديد يُذكر؛ ندوة واحدة حول الدولة المدنية التي زاد المتحدّثون الالتباس حول تعريفها الذي لا يعني شيئاً بمعزل عن توظيفاته السياسية، وفي ما عدا ذلك اعتبرت وزارة الثقافة أن جميع أنشطتها المبرمجة سلفاً منذ بداية العام هي ضمن فعاليات هذه التظاهرة!

محاربة الإرهاب كانت شعاراً مرفوعاً لمعظم التظاهرات الثقافية خلال الأعوام الماضية، حتى أن الوزارة أسّست وحدة لمكافحة التطرف منذ حوالي العامين، واستقدمت اللواء المتقاعد شريف العمري لإدارتها، حيث يواصل منذ تسلّمه منصبه الترويج لاستراتيجية لا يزال التحضير لها جارياً إلى اليوم، وربما تُعاد إلى الأدراج قبل الانتهاء منها في حال جرت استعارة شعار جديد في مرحلة مقبلة.

وقبل أن ينتهي العام، أُعلن عن جوائز الدولة التقديرية التي تمنح منذ عام 1977، لكن يبدو أن القائمين عليها يعوزهم توزيعها على نحو منصف ومنطقي بسبب غيابها سنوات طويلة في مجال معين، كالشعر مثلاً، ثم عودتها لتمنح مثالثة بين طاهر رياض ويوسف عبد العزيز ومها العتوم، حيث بدت أقرب إلى تكريم لتجارب متمايزة، إضافة إلى أن تقاسم عائدها المادي (حوالي 20 ألف دولار) يُفقدها قدراً من قيمتها المعنوية.

وعن الجوائز وسيرتها، حدث متغيّر لافت خلال السنوات الأخيرة يتعلّق بحضور أردني منتظم على خارطة الجوائز العربية، بعد سنين من التلاوم والتشكّي مارسه مبدعون أردنيون بسبب تجاهل عربي لتجاربهم التي يرون أنها تشهد تطوّراً وانتشاراً في وقت يتراجع فيه المشهد في العديد من الحواضر الثقافية التقليدية، وهو كلام فيه قدر من الصحة لو سلّمنا افتراضاً بمعايير هذه الجائزة أو تلك.

عقدة الأطراف تجاه المركز العربي؛ مصرياً بالدرجة الأولى ثم لبنانياً وعراقياً وسورياً زالت مفاعيلها منذ زمن ليس بالقصير، لكن ما حدث أن بدأ تنافس المثقفين في البلدان الطرفية على جوائز المراكز الثقافية الجديدة في الخليج، بعد أن كان الاعتراف بهم يمرّ عبر الكتابة عن تجاربهم في صحافة بيروت والقاهرة أو النشر في مطابعها.

ربما كان الفقد أكثر وضوحاً، حيث رحلت خلال هذه السنة أسماء بارزة: الناقد والباحث عبد الرحمن ياغي (1924 –2017)، الذي ساهم بتأسيس مؤسسات تعليمية وثقافية عديدة، والفنان التشكيلي محمود طه (1942 – 2017)، أحد أبرز الخزّافين العرب، والقاص خليل قنديل (1951 – 2017)، عن خمس مجموعات قصصية مسكونة بالأمكنة والغياب، والفنان التشكيلي أحمد نعواش (1934 – 2017)، الذي كانت فلسطين وطفولته فضاءً لكل لوحاته، والمسرحي نادر عمران (1955 – 2017)، مؤسّس أبرز مهرجان أهلي في المسرح.

بعيداً عن الراحلين وتذكّر محاسنهم، لا تزال جلسات “النميمة” المغلقة هي الأكثر جرأة على وصف الواقع وتقدير الكتّاب والفنانين لبعضهم بعضاً، خارج المجاملات التي يتبادلونها في العلن وعلى صفحات الجرائد.

– العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *